السيد محمد الصدر
65
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان
بالتدريج ، والإسلام إنما عرف ذلك عن طريق القرآن النازل من عند خالق البشر لا عن طريق تأريخي اعتيادي ، ولولا التوفيق الإلهي لبقي ذلك في طَيِّ الكتمان . إلا أن الإسلام لا يرى أن أولئك البشر كانوا في حالة فوضى وتسيُّب ، فإن آدم نفسه كان مرشدهم وموجههم على ضوء ما عرفه عن طريق الإلهام الإلهي ، ما دام حياً ، وبعد موته خَلَّفَ عليهم أرشد أولاده بعد أن علَّمه مما يعلم ، وأرشده إلى طريق توجيه البشر وإدارتهم . وهكذا فقد بقي التوجيه الإلهي مرشداً للإنسانية ، منذ بدئها ، وسيبقى ملازماً للبشرية إلى فنائها ، ولو كره المشركون . ومن هنا يتَّضح أن العناية الإلهية لم تدع البشرية في حالة فوضى وتسيُّب لما تعلمه في حكمتها البالغة ، أن تلك حالة لا يمكن أن تُطاق . أما إذا كان المقصود من هذه النظرية هو تكوُّن مجتمع جديد ، فإن هؤلاء الناس الذين فرضنا اجتماعهم ليكونوا نواة لهذا المجتمع ، لم ينزلوا من السماء ، وإنما جاءوا من مجتمعات لها عاداتها وتقاليدها وأساليب حكمها ، وقد حملوا كل ذلك في أذهانهم ، مما لا يدع فرصة لوقوع الخلاف بينهم ، فإنهم يبادرون بدون تردد أو تباطؤ إلى تطبيق ما عرفوه واعتادوه في مجتمعاتهم الأولى . بالإضافة إلى أننا نتساءل عما إذا كانت هذه الأرض التي يجتمع عليها هؤلاء الناس غير محكومة لدولة ولا يسودها قانون ، فإن كانت تحت سيطرة حكم دولة من الدول كما هي الآن جميع المناطق في العالم ، فلا مجال لهم إلى التعاقد فيما بينهم وإصدار قانون جديد ، وإن فرضنا بعيداً - أنها غير محكومة لدولة ، فقد أخطأ هؤلاء الناس إلى الذهاب إلى مثل هذه المنطقة المنقطعة عن العالم ، وأسرفوا في التَّوَحُّش والغربة ، بالإضافة إلى ما أسلفناه من أنهم يبدأون تلقائياً في مثل هذه الحالة من تطبيق مُسبقاتهم الذهنية التي تَلقَّوها في مجتمعاتهم القديمة .