السيد محمد الصدر
66
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان
هذا ولكن الكلام حول مثل هذه الفروض ، كلام أقرب إلى النوادر والطرائف منه إلى الكلام الجدي الصحيح ، الذي يُقصَد منه الوصول إلى الواقع عن طريق البرهان الموضوعي . بالإضافة إلى أن تعاقد الشعب وإيكال إرادته وحريته إلى شخص أو جماعة ، وإن كان ينجيهم من حالة الفوضى ، إلا أنهم لا يستطيعون أن ينالوا به مصالحهم الحقيقية ، لأن العقل البشري كما سبق أن أكدنا لا يستطيع إدراك هذه المصالح بتفاصيلها ، ولا بد في ذلك من التوفيق الإلهي . ومن هنا نعرف أن هؤلاء المفكرين لم يصلوا بالقصة إلى نهايتها الطبيعية ، تلك النهاية التي هي أقرب إلى واقع البشر من تلك الصور الشعرية التي ألّفوها ، فإن هؤلاء البشر سوف يُوكِلُ كل جماعة منهم أمرها إلى فرد غير من أوكلت الجماعة الأخرى إليه ، وسوف تضع كل جماعة قانوناً أو مجموعة من القوانين التي تمثل مصالحها ومداركها الخاصة ، ثم تبدأ كل جماعة بالتعرُّض بصاحبتها لأجل إخضاعها وتغيير قوانينها لصالحها . وهنا ترجع الحالة إلى الصراع العنيف الذي كان قبل التعاقد ، ولعله أقسى وأضرى ، لأنه كان أولًا صراعاً بين أفراد ، أما الآن فقد أصبح صراعاً بين جماعات ، ومثل هذا الصراع لا يمكن أن يحلُّه التعاقد من جديد بعد أن يكون كل فرد منهم قد أوكل إرادته وحريته إلى من يثق به ويعتمد عليه ، وخاصة بعد هذا الصراع الذي يسلب ثقة كل جماعة بصاحبتها . وحينئذ يتحتَّم وجود العناية الإلهية لتحلَّ بينهم النزاع ، وتعلمهم القواعد اللازمة لأجل حفظ النظام وسيادة العدل . ولكن الواقع أن العناية الإلهية ، لمدى حكمتها البالغة ، لم تصِل بالبشرية إلى هذا الحد ، بل أسعفتهم من أول الأمر بالتوجيه والإرشاد . هذا ، بالإضافة إلى أننا لم نفهم بالضبط صفات تلك الحالة الطبيعية التي