السيد محمد الصدر
64
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان
منذ فجر التاريخ ، إلا محكومة لملوك وإلا خاضعة لقوانين أو تقاليد . فإن كان هذا الذي ذكروه سرداً لوقائع تاريخية ، إذن فيجب إقامة الدليل المقنع على ذلك ، وليس فيما ذكروه ما يصلح للبرهنة عليه . وإن كان فرضاً وتقديراً للحياة عند عدم وجود الحكومات والقوانين ، من حيث أن الأصل في كل فرد أن يحكم نفسه حينئذ ، ويكون غير مسؤول عن أي نظام أو قانون ، وما دام ذلك غير ممكن فلا بد من خضوع الفرد للقانون من أجل حماية نفسه وحريته وتملُّكِهِ . إذا كان هذا هو المقصود ، فما هذا التسلسل المنطقي الذي سلسلوا به الحوادث البشرية في الحالة الطبيعية كأنها قصة من القصص ، وما هذا الوصف الدقيق لتلك الحالة ، مع أن ذلك التسلسل وهذه الأوصاف لا توافق في كنهها أسلوب الفرض والتقدير . فربما يمكن للمفكر أن يفترض ببساطة ، أن الأصل في الإنسان أن يحكم نفسه ، ولكنه لا يستطيع أن يفترض حوادثاً جارية وقصصاً متسلسة إلا في عالم الخيال . بالإضافة إلى أنه : متى وُجِدَت أو يمكن ان توجد مثل هذه الحالة الطبيعية ، هل هي في ابتداء تكوّن البشرية ؟ ويمكن أن يؤيد ذلك ، قول ( روسو ) : ( إن الحالة الطبيعية تغدو بعد تزايد عدد البشر حالة لا تطاق ، أم أنها حالة اجتماع جماعة من الناس ليكوّنوا بعد مرور السنين مجتمعاً جديداً ) . فإن كان الأول فكيف اطَّلَع هؤلاء الفلاسفة على تلك الأزمنة السحيقة في القِدَم وعن طريق أي أثر أو كتاب تأريخي ، فإن مبدأ البشرية لم يُعرَف إلا من الكتب المقدسة وبخاصة القرآن الكريم . وهذه الكتب خالية من الإشارة إلى الحالة الطبيعية . ولكنه على كل حال يمكن أن يشابه النظرية الإسلامية في تَكَوُّن البشرية حيث يذهب الإسلام إلى وجود آدم أبي البشر عليه السلام وأن نسله ازدادوا