السيد محمد الصدر
307
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )
ا لسؤال الثالث : هل كان سبب سكوته هو أنه لا يريد أن يسمعهم صوته لكي لا يعرفونه ؟ جوابه : حسب فهمي أنه كان ساكتاً احتقاراً لهم ، لأن الحسين ( ع ) لم يكن في ذلك الحين معروفاً لا بزيه ولا بوجهه ولا بصوته ، لأنه قد فارقهم قبل خمسة عشر سنة قالوا : واستقبله الناس بهتاف واحد مرحباً يا ابن رسول الله . فساءه هذا الحال . وانتهى إلى ( قصر الإمارة ) فلم يفتح النعمان باب القصر ، وأشرف عليه من أعلى القصر يقول : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يا ابن رسول الله . فقال له ابن زياد : افتح فقد طال ليلك . فسمعها رجل وعرَّفه للناس أنه ابن زياد ورب الكعبة . فتفرقوا إلى منازلهم . وعند الصباح جمع ابن زياد الناس في الجامع الأعظم وخطبهم وحذَّرهم ومنَّاهم العطية ، فقال : أيما عريف وجد عنده أحد من بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا صلب على باب داره « 1 » . أقول : ويقصد بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية ، ويقصد ببغية أمير المؤمنين مسلم بن عقيل ( ع ) ، ولكنه لم يذكر اسمه ليكون التهديد عاماً . ومن الناحية العملية فإنه لا يقصد بغية أميره حقيقة وإنما بغيته هو . وإنما ينتسب إلى ذاك باعتباره قد ولَّاه على البلد . فيكون التهديد عاماً . وماذا يملك ملوك الدنيا إلا التطميع والتخويف ، وإلا فإنهم لا يملكون القلوب حقيقة ، ولكن يجب أن لا تأخذ الإنسان في الله لومة لائم . وإلا كان مظنة الانحراف والفساد من أي شيء ، وخاصة في مثل الضغط الذي أوجده ملك عبيد الله بن زياد
--> ( 1 ) أنظر تأريخ الطبري ج 4 ص 268 ، البحار ج 44 ص 341 ، الإرشاد ج 2 ص 45 . .