السيد محمد الصدر

239

فقه الأخلاق

ومما يحسبه الناس من الحسد : الإصابة بالعين . وإنما حسبوه منه عجزاً منهم عن تفسيره . وإلَّا فهو أيضاً من القوانين الكونية الباطنة ، كما سبق أن قلنا في بعض حالات الغضب . وربما تستفاد إصابة العين من بعض آيات القرآن الكريم . حيث يوصي النبي يعقوب ( ع ) أولاده قائلًا : لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ . فإن هدفه من ذلك دفع العين عنهم وعدم إصابتهم بالضرر من هذه الناحية . إذ أن الناس إذا رأوا تجمعهم وجمالهم وقوتهم ، فقد يصابون بالعين ، بخلاف ما إذا تفرقوا ودخلوا من أبواب متفرقة . وهذه جهة مجربة لكثير من الناس . ويحتوي من الناحية النفسية للناظر على استعظام ما ينظر إليه ، إما لكثرته أو لجماله أو لغناه أو لصحته أو لأي شيء آخر . فيكون الجانب المنظور والمركز عليه مؤذناً بالزوال سواء أراد الناظر ذلك أم أباه ، وسواء التفت إليه أو لا . وهذا معنى أن إصابة العين تكون قهرية على الناظر فضلًا عن المنظور إليه . فلا تكون قسماً من الحسد بطبيعة الحال . ولكن قد تكون اختيارية للناظر ، فيكون فيها تعمد الإضرار بالغير ، فتكون شبيهة بالحسد جداً . ومن ذلك ما إذا قلنا إن إصابة العين متوقفة على التلفظ بالاستعظام . كقولك : ما أجمله أو ما أحسنه . فيكون هذا الكلام اختيارياً مضراً للآخر . لكنني لا أعتقد كونه متوقفاً على التلفظ ، ومن هنا أمكن أن يكون قهرياً ، ولو كان متوقفاً عليه أمكن دفعه بالسكوت . إلَّا أن المجرب كثيراً خلاف ذلك . ومنها : كون الإنسان ممن يتقي شره . قال رسول الله ( ص ) : شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم . وقال أبو عبد الله ( ع ) : من خاف الناس لسانه فهو في النار . وقال ( ع ) : إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه .