السيد محمد الصدر
22
فقه الأخلاق
وأما من جانب الغني : فإنه أوجبت عليه الضرائب الشرعية بنسب قليلة لمصالح ندركها : منها : عدم إطاقة الأغنياء من الناحية النفسية لدفع الزائد . فإننا نجد أن المال قد يصبح للفرد أعز عليه من نفسه وولده ، بدليل أنه مستعد أن يقتل في سبيله ، وأن يضحي بنفسه من أجل الحصول عليه أو المحافظة عليه ، إذاً فدفعه لنسبة عالية منه ، بعد أن حصل عليه بتعبه وكد يمينه وعرق جبينه أمر بمنزلة المستحيل . ومنها : أن حال الغنى عليهم موجودة في القضاء الإلهي ، ولم يكن ذلك جزافاً . بل عن علم وحكمة من العليم الحكيم . كما ورد في الحديث القدسي ما مضمونه : ربّ فقيرٍ لو اخترت له الغنى لأفسده وربّ غني لو اخترت له الفقر لأفسده . ومن المعلوم أن دفع المال كله أو نسبة عالية منه موجبة لفقره وصعوبة معيشته . وهذا ما لم يكن في المصلحة بحسب القدر أو النظام الإلهي . ومعه فلا ينبغي أن يكلف الغني بذلك ، بل ينبغي الاقتصار على وجوب دفع القليل . ولكن هذا القليل يكفي الفقراء كلهم . وذلك لو التفتنا إلى أمرين : الأمر الأول : تعدد الأغنياء وكثرتهم . فلو دفع كل الأغنياء زكوات أموالهملتجمع من ذلك عدد ضخم من الميزانية . الأمر الثاني : إن هذه النسبة المدفوعة من أي فرد من الأغنياء وإن قلنا إنها قليلة . وهي قليلة فعلًا ، بصفتها نسبة أو منسوبة إلى المال كله . إلَّا أن المقدار المدفوع يزداد كلما ازداد المال . ومن هنا سوف تكون المقادير المدفوعة من أصحاب الملايين تعد بالملايين .