السيد محمد الصدر

18

فقه الأخلاق

وبالنسبة إلى العاملين بهما ، حيث قلنا أن الاهتمام يكثر بأحدهما ويقل بالآخر . فهذا يمكنك أن تجد في جوابه أحد وجهتي نظر . الوجهة الأولى : إن الحق أن يكون الفرد والمجتمع عارفاً للفقه والأخلاق معاً مطبقاً لهما معاً . فلو كان قاصراً أو مقصراً من أحد الجانبين كان ناقصاً لا محالة ، سواء كان اختصاصياً بأحد الحقلين أو لم يكن . الوجهة الثانية : إن الاختصاص والتعمق الكامل بكلا هذين الحقلين متعذر تماماً ، وفوق الطاقة البشرية . ومن هنا كان اللازم لكل اختصاصي أن يلم بحقله المعين ، ويدع من الحقل الآخر ما هو خارج عن أحكامه ، وإنما يلم به إلماماً . وهناك وجهة ثالثة ، يمكن أن تقال في هذا الطريق . قد تكون ناشئة من ( النفس الأمارة بالسوء ) وهو عدم تبادل حسن الظن بين الفريقين : الفقهاء والأخلاقيين . لأن الفقهاء غالباً جداً يبنون علمهم على الظاهر ، اعني ظاهر الشريعة . والأخلاقيون يبنون علمهم غالباً على الباطن . ومن المؤسف أن يكون أهل الظاهر غير معتقدين بالباطن وأهل الباطن غير معتقدين بالظاهر . وأحدهما يخطئ الآخر في السير في طريقه . وأما الحديث الذي أشرنا إليه من أن المتشرعة اخذوا الفقه وركزوا عليه دون الأخلاق ، فهذا على الأغلب صحيح . فان قصدنا من الأخلاق حسن معاملة الآخرين ، فمن المعلوم أن من لم يأخذ بها كان ظالماً ومقصراً . وأما إذا قصدنا منها السلوك الأخلاقي ألعرفاني ، فهو مما لا يحتمله العامة وأغلب الناس ، وإنما جاءت الشريعة الظاهرية لحفظ النظام بين هؤلاء العامة . فكان من واجبهم الالتزام بها ، وان يدعوا ما لا يستطيعون وما لا يطيقون . وهذا لا ينافي وجود اللمعات الأخلاقية الجيدة ، عند الكثيرين من