السيد محمد الصدر

19

فقه الأخلاق

المهتمين بالفقه أو الفقهاء ، ممن يتصف بنفس قوية وقلب طاهر . وأما الحديث عن أن ائتمنا اقتصروا في بياناتهم على الشريعة أو الفقه ، ولم يبينوا عن الأخلاق إلا القليل . فهذا على أطلاقه غير صحيح . أولًا : لأنهم سلام الله عليهم بينوا كلا الحقلين ، كلا منهما لمن يستحقه ويتحمله ، لا محالة . ولم يقتصروا على أحدهما بأي حال من الأحوال . ثانياً : انه من المسلَّم أن عدد المستحقين لبيان الظاهر ، والقاصرين عن بلوغ العمق الأخلاقي ، أكثر بكثير في المجتمع ممن هو قادر على بلوغ ذلك العمق . بل إن المجتمع ككل يمثل هذا الاتجاه . ومن هنا كانت المصلحة الضرورية تقتضي ظهور المعصومين سلام الله عليهم أمام الناس بمظهر الظاهر ، وغض النظر عن ( الباطن ) أو مستوى الأخلاق المعمق ، سواء ذلك في سلوكهم الشخصي أو في أفعالهم أو أقوالهم أو تعاليمهم . وهذا ما يفسر أن ما وردنا عنهم ( عليهم السلام ) من أحاديث الفقه ، أكثر مما وردنا من أحاديث الأخلاق . غير أننا إذا أخذنا من الأخلاق جانبها الظاهري ، وهو حسن معاملة الآخرين . فسوف يمكن إنكار هذه النتيجة الأخيرة ، والتأكيد على أن ما وصلنا من الأحاديث الأخلاقية بهذا المعنى لا يقل عن الأحاديث الفقهية بل يفوقها عددا بقليل أو كثير . وهذا ما سوف يزداد إيضاحاً في مستقبل هذا البحث . فقد عرفنا إلى هنا ، أن الجواب بالنفي على مدى ارتباط الفقه بالأخلاق ، أمر غير صحيح . وأما الجواب بالإيجاب فهو الأقرب للصحة ، على عدة مستويات ، كلها