السيد محمد الصدر

16

فقه الأخلاق

وأما عمليا ، فأننا نجد عدة ظواهر تطبيقية ينفصل بها أحد العلمين عن الآخر . منها : إن الاختصاصي بأحد العلمين يقل اهتمامه بالعلم الآخر وتطبيقه له وحياته ، ومن الواضح حياتياً أن الفقهاء غير اختصاصيين بالأخلاق ، كما أن الأخلاقيين ليسوا بفقهاء ، ولا يوجد من يجمع بين الحقلين إلا الأندر من الشمع الأحمر . ومن ذلك : أن غير الاختصاصيين على هذا الغرار أيضاً ، فنجدهم سالكين لأحد الطريقين ، ومعرضين عن الطريق الآخر تقريباً . بل الأمر قد يتجاوز ذلك خطوة أخرى ، وذلك : إن الاهتمام لدى المتشرعة إنما هو بالفقه من حيث أن مآله إلى الثواب والعقاب الأخرويين . وليس في الأخلاق وجهة من هذا القبيل ، فهو لا يستحق مثل الاهتمام . بل قد نجد أن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم ، قد نحوا هذا النحو ، بحيث نجد أن هذا الاهتمام المتشرعي إنما هو ناتج من تربيتهم وتركيزهم . وذلك أنهم ركزوا على جانب الطاعة والمعصية ، والثواب والعقاب ، وهي الجوانب المرتبطة بالفقه ، أكثر من الجوانب المرتبطة بالأخلاق . فهذا أقصى ما قد يقال في ملاحظات الانفصال بين علمي الفقه والأخلاق . غير أن الصحيح ليس هو ذلك . بل الأقرب هو الجواب عن السؤال المذكور في أول هذا التمهيد بالإيجاب ، وان هناك علاقة وثيقة وحميمة بين علمي الفقه والأخلاق ، حتى كاد ان يكون أحدهما عين الآخر كما سنرى ، وان لم يكونا كذلك في كل التفاصيل .