الشيخ البهائي العاملي
59
العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )
وإنّ من أعظم نعم الله - سبحانه - علىّ ، وأتمّ مننه التي لم تبرح متواصلة لدىّ ، أنّي لم أزل - منذ بلغت العشرين إلى أن أكملت الخمسين - متطلّبا لاستكشاف سرّه المكتوم ، مترقّبا لارتشاف « 1 » رحيقه المختوم ؛ فأنفقت كنز الشباب على تحصيل مقدّماته ، وهاجرت عن الأحباب في اكتساب أسبابه وأدواته ، سيّما العلمين الجليلين ، اللذين لهما به مزيد اعتلاق واختصاص ، وليس للمتعطّشين إلى زلاله عن التبحّر فيهما من بدّ ولا مناص ، أعني بهما : « علم المعاني » « 2 » و « علم البيان » « 3 » اللذين هما الذريعة لمن رام الاطّلاع على جواهر أسرار القرآن ؛ فلقد امتدّ فيهما كدّي ونصبي ، حتّى امتزج بهما لحمي [ ودمي ] « 4 » وعصبي ، وبلغت منهما بتوفيق الله أقصى مناي ، ولم أكن قانعا بما يقنع به سواي . ولمّا قضيت من مقدّمات علم التفسير وطري « 5 » ، ووجّهت إلى الكتب المؤلّفة فيه بريد نظري ، طفقت أواصل في مطالعتها بين عشيّاتي وأسحاري ، وأصرف في كلّ سطر منها شطرا من ليلي و « 6 » نهاري ، أنظم كلّ درّة من دررها في سلك روحي ، وأعدّ الظفر بفرائد غررها من أعظم فتوحي ، معلّقا على بعضها حواشي شريفة تزري « 7 » نفحاتها بنسمات الأزهار ، وتحكي صفحاتها جنّات تجري من تحتها الأنهار ،
--> ( 1 ) . « ارتشف الإناء : استقصى الشرب حتّى لم يدع فيه شيئا ، والرشيف : تناول الماء بالشفتين » ( « القاموس المحيط » ج 3 ، ص 148 - 149 ، « الرشف » ) . ( 2 ) . علم المعاني : هو علم تعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال . انظر « شرح المختصر » للتفتازاني ، ص 15 . ( 3 ) . علم البيان : هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق وتراكيب مختلفة . انظر « شرح المختصر » للتفتازاني ، ص 128 . ( 4 ) . ما بين المعقوفتين أضفناه من نسخة « م » . ( 5 ) . « الوطر : الحاجة ، أو حاجة لك فيها همّ وعناية ، فإذا بلغتها فقد قضيت وطرك » ( « القاموس المحيط » ج 2 ، ص 160 ، « وطر » ) . ( 6 ) . في « ع » و « د » و « س » : « أو نهاري » . ( 7 ) . أزرى ، يزري : عاب . والمراد أنّ نفحات حواشيه أفضل وأطيب من نسمات الأزهار . انظر « لسان العرب » ، ج 14 ، ص 356 ، « زري » .