الشيخ البهائي العاملي
134
العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )
ومنها : أنّ العابد لمّا رام « 1 » التشبّه بالقوم الذين لا يشقى من تشبّه بهم ، سلك مسالكهم في الذكر والفكر والتأمّل في تلك الأسماء العظيمة والصفات الجليلة ، ثمّ انخرط في سلكهم ، وتطفّل عليهم ، وتكلّم بلسانهم ، وساق كلامه على طبق مساقهم ، عسى أن يصير بمضمون « من تشبّه بقوم فهو منهم » « 2 » محسوبا في عدادهم ، ومندرجا في سياقهم . ومنها : الإشارة إلى أنّ من لزم جادّة الأدب والانكسار ، ورأى نفسه بمراحل عن ساحة القرب لغاية الاحتقار ، فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهيّه ، وتلحقه عناية أزليّة ، تجذبه إلى حظائر « 3 » القدس ، وتوصله إلى محاضر الأنس ، فيقوم على بساط الاقتراب ، ويفوز بعزّ الحضور والخطاب . ومنها : أنّه لمّا لم يكن في ذكر صفات الكمال مزيد كلفة بخلاف العبادة ؛ فإنّها - لعظم خطبها - مشتملة على كلفة ومشقّة ، ومن دأب المحبّ أن يتحمّل من المشاقّ العظيمة في حضور المحبوب ما لا يتحمّل عشر عشير في غيبته ، بل يحصل له بسبب ذلك الاطّلاع والحضور غاية الابتهاج والسرور ، قرن « 4 » - سبحانه - العبادة بما يشعر بحضوره ونظره - جلّ وعلا - إلى العابد ؛ ليحصل بذلك تدارك ما فيها من الكلفة ، وينجبر ما يلزمها من المشقّة ، ويأتي بها العابد خالية عن الكلال ، عارية عن الفتور والملال ، مقرونة بكمال النشاط ، موجبة لتمام الانبساط . ومنها : أنّ الحمد - كما سبق « 5 » - إظهار صفات الكمال على الغير ، فما دام للأغيار
--> ( 1 ) . « رام ، يروم ، روما ومراما ، رام الشيء : طلبه » ( « لسان العرب » ج 12 ، ص 258 ، « روم » ) . ( 2 ) . « سنن أبي داود » ج 4 ، ص 44 ، كتاب اللباس ، باب ( 5 ) في لبس الشهرة ، ح 4031 ؛ « إحياء علوم الدين » ج 1 ، ص 269 . ( 3 ) . في « ق » و « ش » و « د » و « ع » : « حضائر » . والصحيح ما أثبتناه في المتن كما في « م » و « س » . و « حظيرة القدس » : الجنّة . انظر « لسان العرب » ج 4 ، ص 204 ، ( حظر ) . وأيضا سيأتي ذكر هذه الكلمة في ص 143 . ( 4 ) . جواب قوله : « لمّا لم يكن في ذكر صفات . . . » . ( 5 ) . تقدّم في ص 131 .