الشيخ البهائي العاملي

135

العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )

وجود في نظر السالك ، فهو يواجههم بإظهار كمالات المحبوب عليهم ، وذكر مآثره الجليلة لديهم ؛ وأمّا إذا آل أمره - بملاحظة الآثار وملازمة الأذكار - إلى ارتفاع الحجب والأستار ، واضمحلال جميع الأغيار ، لم يبق في نظره سوى المعبود بالحقّ ، والجمال المطلق ، وانتهى إلى مقام الجمع ، وصار فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » . فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلّا إليه ، ولا يمكن ذكر شيء إلّا لديه ؛ فينعطف عنان لسانه نحو عزّ جنابه ، ويصير كلامه منحصرا في خطابه . وفوق هذا المقام مقام لا يفي بتقريره الكلام ، ولا تقدر على تحريره الأقلام ، بل لا يزيده الكشف إلّا سترا وخفاء ، ولا يكسبه البيان إلّا غموضا واعتلاء . وإنّ قميصا خيط من نسج تسعة * وعشرين حرفا عن معاليه قاصر « 2 » فهذه أربعة عشر وجها في نكات هذا الالتفات ، لم تنتظم إلى هذا الزمان في سلك « 3 » . والله الهادي . اللّهمّ ! هب لنا نفحة من نفحات قدسك ، تكشف عن بصائرنا الغواشي الجسمانيّة ، وتصرف عن ضمائرنا النواشئ الهيولانيّة ؛ واجعل أعين قلوبنا وقفا على ملاحظة جلالك ، طلقا في مطالعة أنوار جمالك ، حتّى لا نطمح « 4 » إلى من سواك بنظر ، ولا نحسّ « 5 » منه بعين ولا أثر ؛ واجمع بيننا وبين إخوان الصفا في دار المقامة ؛ وألبسنا وإيّاهم حلل الكرامة في يوم القيامة ؛ إنّك جواد كريم ، رؤوف رحيم .

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 115 . وفي المصحف الشريف : ( فأينما . . . ) . ( 2 ) . انظر « روح المعاني » ج 1 ، ص 90 ، مع تفاوت . ( 3 ) . في هامش « ق » و « ش » : « اجتماع هذه الوجوه الأربعة عشر في هذا التفسير من جملة مزاياه التي امتاز بها عن باقي التفاسير » . ( منه رحمه اللّه ) . ( 4 ) . في « ع » و « س » : « لا تطمح » . ( 5 ) . في « م » و « ق » : « لا تحس » .