الشيخ البهائي العاملي
132
العروة الوثقي في تفسير سورة الحمد ( ويليه الرحلة لوالد الشيخ البهائي )
مستغرقا في بحر الحضور ، كأنّه مشاهد لجلال معبوده ، مطالع لجمال مقصوده . ومنها : أنّ المقام مقام هائل عظيم يتلجلج « 1 » فيه اللسان ، ويدهش عنده الإنسان ؛ فإنّ الملك العظيم الشأن إذا أمر بعض عبيده بخدمة ، كقراءة كتاب - مثلا - بحضرته ، فربما غلبت مهابة ذلك الملك على قلبه ، واستولت على لبّه ، وحصل له رعشة ، واعتراه دهشة ، فيتغيّر نسق كلامه ، ويخرج عن أسلوبه ونظامه ، فمن حقّ القارئ أن يحصل له مثل ذلك الحال ، في مقام القيام عند سرادق العظمة والجلال . ومنها : الإشارة إلى أنّ حقّ الكلام أن يجري من أوّل الأمر على طريق الخطاب ؛ لأنّه - سبحانه - حاضر لا يغيب ، بل هو أقرب من كلّ قريب ، ولكنّه إنّما جرى على طريق الغيبة ؛ نظرا إلى البعد عن مظانّ الزلفى ؛ رعاية لقانون الأدب الذي هو دأب السالكين وقانون العاشقين ، كما قيل : « طرق العشق كلّها آداب » . فلمّا حصل القيام بهذه الوظيفة ، جرى الكلام على ما كان حقّه أن يجري عليه في ابتداء الذكر ، فقد قال سبحانه : ( أنا جليس من ذكرني ) « 2 » . ومنها : التنبيه على علوّ مرتبة القرآن المجيد ، واعتلاء شأنه ، وسيّما آياته المتضمّنة لذكر الله - عزّ شأنه - ، وأنّ العبد - بإجراء هذا القدر منه على لسانه - يصير أهلا للخطاب ، فائزا بسعادة الحضور والاقتراب « 3 » ، فكيف ؟ لو لازم وظائف الأذكار ، وواظب على تلاوته بالليل والنهار ، فلا ريب في ارتفاع الحجب من البين ، والوصول من الأثر إلى العين ؛ وقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام أنّه قال : « لقد تجلّى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون » « 4 » .
--> ( 1 ) . تقدّمت ترجمته في ص 94 . ( 2 ) . « الكافي » ج 2 ، ص 496 ، باب ما يجب من ذكر اللّه - عزّ وجلّ - في كلّ مجلس ، ح 4 ؛ « التوحيد » ص 182 ، باب ( 28 ) نفي المكان والزمان . . . ، ح 17 . ( 3 ) . في « ع » و « ش » : « والإقراب » . ( 4 ) . « التنبيهات العليّة » للشهيد الثاني ، ص 270 ؛ « إحياء علوم الدين » ج 1 ، ص 287 .