السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

92

أصول الفلسفة

حل الشبهة : عزب عن القائل بأنّ الاعتراف بوجود حقائق خارجية قد يتعلّق بها العلم والإدراك ، لا يستلزم حضور الحقائق بواقعيّاتها الخارجية عند تعلّق علمنا بها ، حتى يصير مآل العلم بها ، وصول العالم إلى نفس واقعية الأشياء بما لها من الآثار ، بل يكفي في الانكشاف وتعلّق العلم كونها حاضرة عند المدرِك بصورتها الذهنية التي تحكي عنها . وإن شئت قلت : إنّ الحاضر بذاته عند المدرك وإن كان هو الصورة العلمية دون الهوية الخارجية ، ولكن الصورة العلمية تحمل وصفاً ذاتياً وهو وصف الكشف عن واقع سواها ، ورفع الستر عن معلومه التي يحمل عليه . غير أنّ القائل نظر إلى العلم بما هو هو ، أيبالنظر الموضوعي والاستقلالي ، لا بالنظر الآلي والطريقي فألغى جهة كشفه وطريقيّته ورتّب عليه ما رتّب وقال : إنّ الحاصل عندنا هو العلم والإدراك لا المعلوم الخارجي واستنتج منه : انّه لا يصح لنا الإذعان بشيء غير العلم ، ولكنّه غفل عن أنّ العلم والكشف عن معلوم سواه ، متلازمان لا يتفارقان وانّ العلم بالشيء عين الكشف عنه فلا يصح لنا الاعتراف بالعلم من دون معلومه ، ولا بالصورة الإدراكية من دون مكشوفها « 1 » .

--> ( 1 ) . هذه حلقات بلاء حاقت بهم ، وسلسلة شبهات تجاه البديهة لا يذعن بها من سلم مزاجه ، فلذا اكتفى الاعلام في دحضها بكونها شبهات تجاه البداهة ، وأمّا تحليلها حسب الأُصول الفلسفية فيتوقّف على الوقوف على حقيقة العلم ومقدار كشفه ، وسيوافيك تفصيل القول في المسألتين في ثالث المقالات ورابعها ، كما سيتّضح في مختتم هذه المقالات انّ ما اختاره المادّي في حقيقة العلم ، لا يفترق عمّا يقول به السوفسطائي ، وإن كان هو يفرّ عن السفسطة . وخلاصة ما ذكره - دام ظله - في دحض الشبهة هو انّ العلم بالشيء عين الكشف عن خارجه ، ولا يعقل تحقّق العلم بلا وصف كشفه ، كما لا يعقل تحقّق الكشف بلا مكشوفه ، فلو فرضنا عدم المكشوف يلزم نفي الكشف عنه ولكان هو عين القول بانتفاء العلم مع أنّ المفروض هو تسلّم وجود العلم على رأي الخصم في هاتيك الموارد .