السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

93

أصول الفلسفة

والفيلسوف المؤمن بحقائق وراء ذاته وفكره لا يروم من الوصول إليها أزيد من هذا ولا تجدنّ أحداً ممّن يعترف له بفضل يتفوّه بغير ذلك أو يدّعي بأنّ حقيقة العلم بالشيء هي الوقوف على واقعيّته الخارجية ، وحضوره بنفسه بلا واسطة الصورة الذهنية عند المدرك . بل كل من اعترف بعالم وراء ذهنه ( يصل إليه بفكره ويعرفه بعلمه ) لا يريد منه سوى الوصول إليه من طريق العلم الكاشف عنه فالحقائق معلومة لنا من ناحية صورها الحاضرة لدى مداركنا وكشفها عن أعيانها الخارجية . الشبهة الثانية : إنّ حواسّنا الظاهرية أقوى وسيلة لاتّصالنا بالحقائق الخارجية ووصولنا إلى مراتب الواقع ، مع أنّها لا تخلو عن خطأ واشتباه « 1 » بل غير

--> ( 1 ) . دونك نماذج من تلك الأخطاء وسيوافيك توضيحها ودحضها في رابع المقالات : أانّ لكل جسم حجماً واقعياً لا يتخلّف عنه ، ولكن الباصرة لا تهتدي إلى الحجم الواقعي منه ، فلو وقع الجسم في مكان بعيد يختلف حجمه عند الباصرة عمّا إذا وقع في مكان قريب منها . ب القطرة النازلة من السماء يترائي كأنّها خط ممتد . ج الشعلة الجوّالة تبدو كأنّها دائرة تدور على مركزها . د لو وقعت إحدى يديك في ماء حار ، والأُخرى في ماء بارد ثم أدخلتهما في ماء ثالث يختلف معهما حرارة وبرودة لوجدت كلّا من اليدين يحس بإحساس يختلف عن إحساس الآخر ، فهذا يحس انّه حار وذاك يحس انّه ماء بارد . هذه نماذج من أخطاء الحواس ، ولها أنواع ، تكلّم فيها الفطاحل في كتبهم الفلسفية والعلمية وربّما يزيد أنواعها على ثمانمائة .