السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

91

أصول الفلسفة

ولنذكر بعض شبهاتهم : الشبهة الأُولى : إنّ مرجع العلم بالشيء ليس هو الوصول إلى وجود المعلوم وحقيقته العينية ، بل غايته حصول صورة منه عند الإدراك في الذهن والإنسان المفكّر مهما تصعّد حتى يصل إلى الغاية المتوخّاة ، أعني : الواقع نفسه ، لا يصل إلّا إلى صورته العلمية المعبّرة عنها بالصورة العلمية والفكرية ولذلك لا يصح لنا الإذعان بوجود حقائق خارجية ، إذ الحاصل عندنا هو العلم لا المعلوم ، نعم يصح لنا التصديق بخارجية ذاتنا ووجود أفكارنا . وبعبارة أُخرى : مرجع إدراكنا كون شيء موجوداً أو ذات صفة خاصة ، إلى حدوث صورة فكرية ذهنية في مداركنا العقلية ، وكلّما ازدادت الفكرة انضمّت صورة فكرية إلى صورة من غير تجاوز عن محيط الذهن وجوّ الفكر ، ومعه كيف يصح الإذعان بأنّ وراء ذاتنا وإدراكنا حقائق ، بل هذه الجملة بصورتها العلمية فكر وخيال ولا يتعدّى عن مرتبة التخيّل « 1 » .

--> ( 1 ) . وإن شئت قلت : إنّ الوسائل التي اتّخذها الإنسان لغاية الوصول إلى الواقع ، لا توصله إلى الغاية المتوخاة بل أقصى ما تنتجه تلك الأدوات ، هو الوصول إلى الصور العلمية والإدراكات الذهنية القائمة بمدركها . والإنسان عندما يريد أن يقف مستطلعاً للجو وما فيه من عظائم الخلائق ، عندما يحاول أن يقف على النواميس التي تحكم في الطبيعة ويستحصلها عن طرق التجربة ، أو التفكّر والتعقّل ، عندما أطلّ بنظره على المجاهر والتلسكوبات ، لا يستحصل رغم ما تحمّل من الجهود إلّا على عدّة صور علمية ، وهذه الوسائل الحسّية والعقلية لا تداوي علّته ولا تروي غلّته ، ولا توصله إلى نفس الواقعيّات بل أقصى ما ينال بها هو الوقوف على معان وصور نفسية ، وهو غير المطلوب .