السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

73

أصول الفلسفة

والقضاء البات بالنفي والإثبات فيها حسب ما يرشده إليه الاعتبار الصحيح والبرهان المتقن . ولذلك ربّما يخالف الفيلسوف ما أذعن به العلماء في المباحث الطبيعية لقيام البرهان القاطع عنده على خلاف ما ذهبوا إليه ، ولا بأس بذكر مثالين : الأوّل : أثبت علماء التشريح وغيرهم بالتجاريب الوافرة أنّ المدرك الحقيقي هو الدماغ ، وأنّ الكيفيّات الحاصلة فيه حين ما يفكرّ الإنسان هي الإدراك حقيقة ، وانّه لا حقيقة للتفكير والعلم سوى هذه الخصوصيات الطارئة على الدماغ في أوان الفكر . ولأجل ذلك تجد المادّي منهم ينفي جهازاً علمياً إدراكياً غير مادّي يقوم به الإدراك حقيقة ، أعني : النفس أو الروح المجرّدين ، كما ينكر أن يكون لعلومنا وراء هذه الكيفيّات المادّية حقائق نفسية مجرّدة عن المادّة وآثارها ، إذ لم تثبت العلوم وراء هذه العوارض المادّية الطارئة على الدماغ شيئاً من النفس المجرّدة والصور العلمية غير المادّية . غير أنّ الفيلسوف يعترف بما استنبطه المادّي من العلوم الطبيعية ممّا يرجع إلى فنّه وموضوعه من مدخليّة الدماغ في التفكير ، وأنّه يلازم هذه العوارض الدماغية ، ولكنّه يردّه في سلبه ونفيه أيادّعاء انّه ليس وراء ستار المادّة جهازاً مجرّداً من النفس وصورها العلمية المجرّدة ، إذ هو قد خرج بسلبه هذا عن زيّه وفنّه وتطّلع إلى أمر هو أقصر منه ، فقضى في أمر ليس له شأن القضاء واستنتج من أساليبه الطبيعية التي لا تصلح إلّا لنفي موجود مادّي أو إثباته ، استنتاجاً فلسفياً سلبياً ، نافياً وجود مدرك مجرّد ، أو صوراً مدركة مجرّدة . وإن شئت قلت : إنّ أقصى ما أثبتته التجربة ملازمة التفكير في الإنسان مع هذه العوارض الدماغية ، بمعنى أنّ التفكير يلازم ويقارن هذه