السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
71
أصول الفلسفة
العلوم ، إذ هي لا تعتمد في مسائلها العامّة على الفروض العلمية المتزلزلة حتى تنهدم بانهدامها أو تستكمل باستكمالها ، بل على مقدّمات بديهية أو قريبة منها ، وتلك المقدّمات أُمور وحقائق ثابتة دائمية . والشاهد على ما قلنا : أنّ الفلسفة لو اعتمدت في بحث من أبحاثها ( على وجه الندرة ) على نظرية علمية ، لتغيّرت بتغيّرها ، وهكذا إلى أن يظهر فرض ثان وثالث ، وممّا يثير العجب قولهم : إنّ الفلسفة المادّية تتحوّل بتحوّل العلوم وتسير بسيرها ، لا تكاد تقف في تفكيرها و . . . فإنّ مفاد هذه الجملة نظرية ثابتة دائمية ، أو هي تفكير ثابت لا يتبدّل ولا يتغيّر ، جاء به المادّي الذي لا يقرّ بالنظريات الثابتة ويدّعي التحوّل والتغيّر في عامّة تفكيراته ، فترى تلك النظرية التي يمدح بها هذه الفلسفة ويعرف بها أساليب أبحاثه ، لا يختص صدقها بزمان دون زمان ، بل هي صادقة دائماً وأبداً . النكتة الثانية : يُتلخصّ من هذا البيان الدائر حول الفلسفة والعلوم ، ما يلي : 1 - إنّ العلوم كلّها بلا استثناء تحتاج في إثبات وجود موضوعاتها إلى الفلسفة الباحثة عن أحوال الموجود بما هو موجود . 2 - الأنظار الفلسفية تختلف عن الأنظار العلمية اختلاف الإطلاق والتقييد « 1 » والعموم والخصوص . توضيحه : أنّ العلوم الباحثة عن أحوال المادّة وخواصّها لا يستنبط
--> ( 1 ) . قد تقدّم انّ كلّ علم يبحث عن عوارض موضوع خاص ولا يتجاوز في بحثه عن حدوده ، غير أنّ الفلسفة تبحث عن عوارض الموجود المطلق . وعلى ذلك ، فكل ما نفاه العلم أو أثبته فإنّما ينفيه في محيطه أو يثبته في حدّه ، فليس له النفي المطلق والإثبات المطلق . مثلًا : الطبيب الذي قرأ فصولًا من التشريح وأخذ يبحث ويفحص عن جسم الإنسان بأجهزته ، لو لم يتوفّق لمشاهدة الروح بأجهزته العلمية ولم تهد أُصوله إلى الإيمان بوجودها فليس له نفي وجود الروح من أديم الوجود ، بل له حق النفي حسب ظروفه وحدود علمه . وإن شئت قلت : ليس له إلّا ادّعاء عدم الوجدان ، وانّ آلاته وأدواته العلمية لم ترشده إلى وجود روح مجرّدة ، وأما ادّعاء انّه ليس عن الروح عين ولا أثر في عالم الوجود ، فليس له ذلك التقوّل . ولكن الفلسفة لها القضاء المطلق في نفي شيء على إطلاقه وإثباته كذلك . فإنّها تبحث عن الوجود المطلق ، وليس لبحثه حد حتى يضيق المجال لأحد ، وليس ما اتّخذ من الأُصول والقواعد مقصوراً على موجود دون آخر ، فإذا نفى وجود شيء فمآله إلى عدم الوجود في عامّة الظروف والأمكنة .