السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

27

أصول الفلسفة

الباحثة عن الفلسفتين ، الذين يعملون لتوحيد الاتجاهات الفكرية فيها ، البحث عن الأُمور العامّة والقواعد الجارية في مراتب الوجود عامّة ، ونظام الكون كلياً . وأظن أنّ السبب الرئيسي في تكثّر المسالك الفلسفية في الغرب هو انحرافهم عمّا هو المحور الأصلي لتحليل المسائل الفلسفية ، فإنّ إتقان البحث في هذه الأُمور الكلية يسهّل البحث في غيرها ويكون ميزاناً صحيحاً لمعرفة المسائل الأُخرى . وهنا زلّة أُخرى أو آفة ثانية للفلسفة الغربية الحديثة ، فإنّ القوم أدخلوا فيها ما لا يرتبط بها إقحاماً ، فترى أنّ كتب الفلسفة صارت تبحث عن المسائل الرياضية والطبيعية ، وبذلك خرجت الفلسفة عن مستواها وأصبحت بين طلابها لُغزاً ليس لها عندهم مفهوم واضح . ولعمر الحق : أنّ للفلسفة الإسلامية في هذه المقامات خطوات كبيرة ، وهذه الخطوات فضيلة لا يصح الإغضاء عنها فضلًا عن إنكارها ، كيف وقد أخرج المسلمون الفلسفة الإغريقية من مراحل النقص إلى الكمال ، وأضافوا إليها أضعافاً مضاعفة ، فإنّ ما وصل إلى المسلمين يوم تُرجمت الفلسفة الإغريقية لم يكن أزيد من مائتي مسألة وأصبحت اليوم بين أيديهم تناهز السبعمائة مسألة . على أنّ لهم أيادٍ بيضاء في إصلاح أُصولها وتوضيح مسائلها وتحليل رموزها وتعليم البرهنة على إثباتها ، كل ذلك نتيجة جهود وأتعاب متواصلة ، حتى أصبحت المسائل الفلسفية في أيديهم كالمسائل الرياضية ، تستنتج ثانيتها من أولاها وثالثتها ممّا تقدمها ، وسيتضح لك حقيقة الأمر ومدى تلك الجهود إذا وقفت على أجزاء هذا الكتاب بأجمعها .