السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
145
أصول الفلسفة
جوابنا عن اعتراضهم : ما أصرّ عليه المجيب ، لا يضرّ ، بل يؤكد تجرّد الفكر ويحكم دعائمه ، فإنّ القول بأنّ إدراك الجسم على صفة الاتّصال ، إدراك تخيّلي ليست فيه مسحة من الحق ولا لمسة من الصدق يؤكد ما نحن نرتئيه فإنّ صور الأجسام في حدّ الخيال مسلوب عنها أثر المادة ، فالصور الجسمية في حدّ الخيال صور متصلة . فوجدت في ذلك الظرف ، صورة جسم بلا فاصل وسطح بلاخلأ « 1 » .
--> ( 1 ) . عرّفوا الكم المتّصل بأنّه أمر قارّ الذات ، متصل الأجزاء وليس المراد من اتصال أجزائه أنّ له أجزاء بالفعل وانّها متّصلة ، بل المراد انّه لو فرض بين الأجزاء حد مشترك لا تجد بين أجزائها حداً فاصلًا ، وهذا بخلاف المنفصلات من الكم إذ لها أجزاء بالفعل كالأعداد . ولننبّه في المقام على أمرين : الأوّل : من أين نشأ هذا النوع من الإدراكات ، والتصوّرات ، والمفاهيم ؟ فقد اختار عدّة من فلاسفة الغرب ( الذين يطلق عليهم « العقليون » لأنّهم لم يقصروا منابع العلم الإنساني على الحواس الظاهرة واعتقدوا انّ الفطرة ربّما تدرك معاني لا تدركها الحواس ) انّ المنشأ لها هو العقل لا الحس إذ هو انّما يدرك ما له مصداق في الخارج وأمّا ما ليس له بعد ، كالنقطة أو له بعد واحد أو بعدان كالخطوط والسطوح ، فليست موجودة في الخارج ، حتى يدركها الحس ، بل الموجود في الخارج أجسام صغار لها أبعاد ثلاثة فانحصر طريق إدراكها بالعقل ، وانّها إدراكات عقلية ، أو علوم فطرية غير منتهية إلى الحس . وقال الحسّيون منهم وأعني بهم الذين حصروا منابع الإدراك بالحس انّ هذه التصوّرات الرياضية ، وإن لم تكن لها مصاديق حقيقة في الخارج حتى ينالها الحس ، إلّا أنّ لها مناشئ ومنابع يوجب انتقال الذهن إليها وإن شئت قلت : إنّ لها صوراً ناقصة في الخارج ، وانّ منها نماذج غير كاملة فيه ، ربّما تصير ذريعة لتصوّر هذه المعاني على الوجه الذي نتصوّره الآن في الذهن . مثلًا : انّ الذهن يشاهد رأس الإبرة بلا أبعاد لضعف الباصرة وصغر المرئي ، فعندئذ يستعد الذهن لخلق مفهوم ذهني لا مصداق له في الخارج كالنقطة ، كما انّ مشاهدة الخيط الرقيق ، أو القمر في الليلة الرابعة عشرة ، يعطي استعداداً للنفس ، لأن يخترع عن جانبه مفهوم الخط والدائرة فهذه المفاهيم وان لم تكن لها مصاديق خارجية ، إلّا أنّه يوجد في الخارج ما يعد وسيلة لانتقال الذهن إليها . قلت : ما أفاده العقليون من أنّ هذه المفاهيم الهندسية ، ممّا كشفت عنه النفس ، ولا مساس لها بالخارج بوجه من الوجوه غير صحيح ، نعم لا يمكن اعفاء الذهن في تصوّرها وانتزاعها وقد اتفق عليه العلماء حتى الحسّيون منهم على ما عرفت آنفاً . الثاني : إنّ هذه المفاهيم ، سواء كان المبدأ لإدراكها هو العقل أو الحس غير موجودة في الخارج ، على النحو الذي ندركه ، لا لما ذكره العقليون من أنّ الموجودات في الخارج ذات أبعاد ثلاثة وهذه المفاهيم بين ما لا بعد له ، أو له بعد أقل من أبعاد ، بل لأنّ الموجود المادّي سواء كان خارجياً أو ذهنياً ، أمر غير متصل ذو انقسام وفواصل حسب ما أثبتته التجاريب مع أنّا نراها أو نتصوّرها وندركها في الذهن بلا هذه الأوصاف ، مثلًا : الصورة الذهنية الموجودة من الخط ، كالحد الفاصل بين سطحي المكّعب أو من السطح كالحد الفاصل للجسم عن الخارج أو الدائرة ، أعني : الحاصل من تحريك أحد طرفي الفرجال ، موجودة عندنا على نحو الاتصال ، كأنّها قطعة واحدة متصلة ، مع أنّ الموجود المادّي مطلقاً ، ليس فيه أياتصال . وإن شئت قلت : إنّ الصور الحاضرة لدينا من هذه المفاهيم الهندسية عارية من خواص المادة وأوصافها ، أعني : الانفصال والانقسام بالفعل ، فلابد من القول بوجودها في أذهاننا لا بوجود مادّي ، بل بوجود تجرّدي .