السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

144

أصول الفلسفة

كلمات من الماديين : قد أوضحنا في البيان السابق أنّا نجد الأجسام والسطوح متصلات غير منفصلات ، فقد حضرت عندنا صورة متصلة غير ذات فواصل عندما أدركنا الأجسام والسطوح والخطوط ، وإدراك شيء متصل يهدم الأُصول المادية ، إذ يمتنع أن تقع تلك الصورة المتصلة على أمر مادي ( العصب الدماغي ) منفصل الأجزاء ، فإنّ الجسم بقول مطلق حتى العصب الدماغي ونحوه ذو أجزاء وفواصل ، فيه فرج وثقوب حسب ما برهن عليه في العلوم ، وأيدته المشاهدات ، ومعه كيف يمكن أن يقال : إنّ العصب الدماغي أو ما يضاهيه قد طبعت عليه صورة الخط المتصل أو الجسم المتصل ، ويستحيل انطباع المتصل في محل لا اتصال فيه . غير أنّ المادي حاول نقد هذا البيان فقال : إنّ من الكلمات الواضحة المشهورة : انّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، ونحن لا نجد خواص المادة وشؤونها فيما ندركه من الصور العلمية للأجسام والسطوح والخطوط ، غير أنّه لا يدل على عدم اتّصافها بتلك الآثار . وبعبارة واضحة : نحن نجد الصور العلمية للجسم مثلًا متصلة في ظرف الإدراك ولا نجد فيها أيّ فصل ولا ثقب ، لا أنّا نرى أنّ الفواصل والثقوب بين أجزائها غير موجودة وأنّ الخلاء غير موجود وكم فرق بين الأمرين ، وإن شئت فقس الصورة العلمية من الأجسام لنفس المصاديق الخارجية ، فكما أنّ الباصرة لمكان ضعفها ، لا تقدر على تميز الثقوب والفواصل وترى الأجسام والسطوح والخطوط متصلات ، وهكذا الصور العلمية المنعكسة على الدماغ فهي أُمور منفصلة تتخيلها على غير واقعها .