السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
138
أصول الفلسفة
العلمية الحديثة . فإنّ الأبحاث العلمية تقضي بأنّ النظام المؤدي إلى تحقق الإدراك البصري هو النظام الجاري في آلة التصوير ( الكاميرة ) : تنبعث الأشعة من نقاط الجسم المرئي على اختلافها في أوضاعها فتجتمع في العين فتقع على عدسة العين « 1 » ثم تخرج من جانبها الآخر طبق الموازين المضبوطة في
--> ( 1 ) . للقدماء من الطبيعيّين في باب كيف يتحقّق الابصار آراء ، غير أنّ المعروف بينهم رأيان . الأوّل : القول بالانطباع ، والثاني : خروج الشعاع . أمّا الأوّل فقد اختاره المعلم الأوّل من الأغارقة ، ومحمد بن زكريا والرازي والشيخ الرئيس من الإسلاميين وخلاصة نظرهم ما يلي : انّ الجليدية جسم شفّاف صيقلي كالمرآة ينطبع فيه كل ما في مقابلها وينعكس فيها كل ما يقع في حذائه ولأجل ذلك يتحقّق الإبصار . وأمّا الثاني فهو مختار أفلاطون وجالينوس من الأقدمين والعلّامة نصير الدين من الإسلاميين ، فهم قد شبّهوا العدسة بالأجسام النورية كالشمس والنار حيث ينبعث النور من هذه المراكز ، والعدسة عندهم جسم نوراني منبع للنور ، منبعث منه النور ويصل إلى الجسم المرئي . ثم اختلفوا في كيفية الشعاع الخارج فزعم بعضهم انّه مخروطي ، رأسه في العين وتقع قاعدته في الجسم المرئي ، وآخرون بأنّه كأسطوانة غير أنّ الطرف الواقع على الجسم مضطرب ليس بساكن . استدل هؤلاء بأنّ الأجسام المرئية أكبر من العدسة بكثير ، فلو كان الإبصار بالانطباع ، لزم انطباع الكبير في الصغير ، وأجاب الأوّلون عن هذا الدليل بما هو مذكور في المتن ، وارتضاه جمّ غفير وستعرف مدى صحته إذا أمعنت النظر بما في المتن . نعم ، لصدر المتألّهين ( مؤسّس الفلسفة الإسلامية ) رأي قد أوضح به حقيقة الإبصار وأماط الستر عن وجهه وخلاصة ما أفاد : إنّ كلّا من الانطباع وخروج الشعاع على فرض صحّتهما ، عمل طبيعي ، وأمر اعدادي لتحقّق الإبصار ، وليس نفس حقيقة الإبصار وأمّا حقيقته فانّما ترجع إلى خلّاقية النفس صورة مماثلة للشيء المبصر في صقعها على نحو الإبداع ، أيخلقاً بلا مادة وانّما تستعد لهذا ، بعد مقدمات وإعدادات مادّية ، وأعمال طبيعية التي زعمها كل من أصحاب القول بالانطباع ، أو خروج الشعاع انّها نفس الابصار ، وقد أقام برهان مقاله وشيّد أركان كلامه في باب اتحاد العاقل والمعقول ودونك نماذج من كلامه : قال في رد مقالة أصحاب القول بالانطباع : هذا بعد تماميته انّما يدل على انطباع الشبح فيه لا كون الإبصار به . ثم عاد إلى نقد مقالة القائلين بخروج الشعاع : نحن لا ننكر أيضاً تحقّق الشعاع من البصر إلى المرئى صورته لكن نقول لابدّ في الرؤية من حصول صورة المرئي للنفس . أقول : إنّ كلّا من الانطباع وخروج الشعاع غير صحيح عند جهابذة الفن ، وانّ نظام العين عندهم كعدسة المصورة ، حسب ما حرّروه في محاله ( وسيوافيك بيانه في التعليقة التالية ) . وممّا يجب أن نلفت إليه نظر القارى : أانّ ما أثبته الجهابذة في تحقيق حقيقة الإبصار وتشريح نظام الباصرة وما فيها من طبقات وأغشية ومياه : وأنّ عمله كعمل المصورة ، تسجّل كما تسجّل عدستها ، انّما يبطل القولين الموروثين من الأقدمين ، أعني : القول بالانطباع أو خروج الشعاع ، وأمّا من جعل كل ما يتحقّق في ذلك النظام أُموراً إعدادية ومقدّمات لاستعداد النفس ، لخلق الصورة في عالم الإبداع كصدر المتألّهين ، فلا يبطل نظره بهذه الآراء القطعية في باب الإبصار ، إذ هو يرى انّ الإبصار في عالم وراء المادّة ، وما يقع فيه ، فانّما هي أُمور إعدادية لتحقّق الإبصار في ذلك العالم فعنده القول بالانطباع ، أو خروج الشعاع أو ما اختاره الجهابذة في هذه الأعصار من انبعاث الأشعة ، كلّها سواسية سواء أصح واحد من هذه الأقوال أم لم يصح ، فاحتمال كون الإبصار عملًا فوق هذه الأعمال بعدُ باق .