صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 65

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

بالقواعد الفلسفية ويصعب عليه درك المشكلات والمعضلات الفلسفية . وينبغي أن نعرف أيضا أن فلسفة الإشراق برزت في المدارس الإيرانية في أواسط نضج فلسفة المشّاء وأخذت تصرف الأنظار عن مسلك المشاء إليها ، ويجب أن تتضح لنا هذه المسألة وهي إلى أي مدى كان تأثير المفكرين المسلمين في عصورهم في التحوّل الذي طرأ في مجال العلم والمعرفة ، فمنذ فترة تتراوح بين 40 و 50 عاما حيث راجت في إيران طريقة البحث المستند ، وغيّر مفكرونا بالتبعية من المحققين الأوروبيين طريقة التحقيق التي كانت سائدة قديما ، ووقعوا في أخطاء في إظهار عقيدتهم ورأيهم في جزء من العلوم التي كانت تدرس في إيران أو كانت موجودة في أحد العصور الإسلامية . إن الخدمات الجليلة التي أسداها المفكرون والعرفاء لا يمكن تجاهلها ولا يمكن البحث عن ثمرة أفكارهم في كتب الغير ، فالتصوّف مثلا بما هو عليه من سبك ومسلك وتحقيقات عالية هو وليد أفكار عرفاء الإسلام الذين اتخذوا من القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام مصادر ومراجع لهم . إن وجود التصوف لدى الأقوام والمسالك الأخرى ، ووجود أفكار مشابهة لأفكار المتصوفة في الكتب الفلسفية القديمة ليس دليلا على أن مفكرينا قد استفادوا بشكل مباشر من هذه الآثار والأفكار التي كانت بعيدة من وجهة نظرهم . إن التصوّف بالمعنى الوسيع للكلمة موجود في جميع الأديان الحقة . إن جميع الأنبياء قد دعوا أتباعهم إلى الإيمان باللّه عبر سلوك طريق الباطن والذات ، وسلوك هذا الطريق في الدين الإسلامي المبين أمر واسع وجامع وكامل لا يحتاج لأفكار الآخرين ، ويستحيل أن يكون التصوّف وهو سلوك طريق الباطن موجودا في سائر الأديان السماوية أو أفكار الفلاسفة الإلهيين كما هو في الإسلام . ومن المسلم به أن عرفاء الإسلام قد تأثروا في تدوين الكتب العرفانية بفلاسفة الإسلام ، ومواد تحقيقات فلاسفة الإسلام هي عبارة عن الفلسفة اليونانية القديمة . وقد بيّن الإسلام وبشكل تحقيقي تلك المسائل الفلسفية المتعلقة بالمبدأ والمعاد والمعارف الحقّة ، ونتيجة لذلك برز العرفاء الإسلاميون في مسألة التحقيق بالمعارف العقلية المتعلقة بعلم المبدأ وعلم المعاد ، وفاقوا أهم الفلاسفة المسلمين ، ولا شك أن فلاسفة الإسلام قد تأثروا بمعتقدات عرفاء الإسلام . إن التصوّف الحقيقي مستنبط من الأحاديث النبوية الشريفة وروايات أهل البيت عليهم السلام ولا يمكن أن يكون للتصوف مرجع أو مصدر آخر .