صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 56
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
لقد أصر ملا صدرا على تبيان جذور تحقيقاته في كلمات وخطابات القدماء والعرفاء ، فهو يعتقد مثلا في مبحث الحركة الجوهرية أن جميع القدماء اعتقدوا بهذا القول ، ولكن ما نقله عن القدماء في هذا المبحث ظواهر غير مستدلة بل ويمكن حملها على خلاف مراده . إن بعض الفروع المهمة التي يقيمها ملا صدرا على تحقيقاته الخاصة هي حقا محيّرة لأهل الفن . ففي باب علم النفس لكتاب « الأسفار » وردت سلسلة من المواضع مبتنية على الحركة في الجوهر ، ولكن ترتيب هذه الفروع وبيان التحقيقات الجميلة في مختلف المسائل المتعلقة بالنفس بالشكل الذي بيّنه ملا صدرا لا نظير له في عالم العلم . كما أن سائر المباحث الفلسفية من قبيل مبحث العلم وتجرد الخيال وغير ذلك من الأمور العامة قد طرحت على بساط البحث والتحقيق بشكل أو بآخر في كتب ملا صدرا بحيث إن المحقق في المشارب الفلسفية المختلفة والمتبحر في عقائد المشائية والإشراق والعارف والمحقق في علم الكلام إذا ما أرادوا المقارنة بين كلمات ملا صدرا وتحقيقات الآخرين لصدّقوا أنهم لو وضعوا كل المحققين الإسلاميين في كفّة وملا صدرا في الكفّة الأخرى لكانت كفّة هذا الحكيم المحقق هي الأرجح . ثمة مسألة يجب الاعتراف بها وهي أن ملا صدرا نقل كثيرا من المباحث الفلسفية والعرفانية التي ليست من اختصاصه عن الآخرين دون ذكر المصدر . والبعض استغل هذه المسألة وأوردها في كتبه كمستند . إن عملا كهذا كان رائجا بين المحققين والمفكرين ، ولم يكن يعدّ من العيوب ، وهذا الأمر كان ملحوظا في كتب الفقه والأصول أكثر من سائر العلوم الإسلامية . إن لملا صدرا سبكا خاصا به في بيان وتقرير المباني الحكمية وفي سرد المواضيع الفلسفية في كتبه ، وهذا ما يميّزه بشكل عام عن الآخرين ، فهو يمتلك قوة إبداعية خلّاقة لم يشهد أحد نظيرا لها بين مؤلفي مختلف الفنون . فبعض مقالاته في النثر اعتبرت نوعا من الشعر الفلسفي العالي « 1 » . إن مصادر ملا صدرا في التفسير والحديث التفاسير التحقيقية للقرآن ، ففي هذا العلم يعتبر ملا صدرا مفسّرا جامعا ومحيطا بأقوال المفسرين الإسلاميين من تفاسير
--> ( 1 ) انظر مقدمة الأستاذ جلال الدين همائي على « شرح المشاعري » الذي نشره هذا الحقير . يقول المرحوم العلامة محمد رضا المظفر أحد كبار كتّاب هذا العصر ، في « مقدمة الأسفار » : وهو كاتب موهوب لم نعهد له نظيرا في عصره وفي غير عصره .