صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

325

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

فمن غلبت عليه جهة الحس وعشق المستلذات الحسية فهو بعد وفاته يتعذب بفقدان المحسوس لفقدان الآلات الحسية وفواتها فهو أليف غصة ورهين عذاب أليم - لأن هذه الحسيات الدنياوية لا حقيقة لها باقية وإنما هي أمور سائلة زائلة مستحيلة شأنها الذوبان والاستحالة بنار الطبيعة فمن عشقها واعتاد بها فقد عشق أمرا مستحيلا وطلب شيئا باطلا فحاله كحال من رأى في منامه صورة استحسنها وعشقها فإذا استيقظ من نومه لم يبق منها أثر غير الألم والحسرة أو كمن ركب على سفينة في بحر انجمدت تلك السفينة من ماء ذلك البحر لبرودة الشتاء فكان معتمدا عليها سائرا بها في أكناف البحر مغترا بانعقادها ودوامها مدة يسيرة جاهلا بالعاقبة وبأنها سيضمحل ويذوب ويتصل بالبحر مع ما فيها كما يقتضيه أصلها وطبيعتها وهكذا البدن وآلاته الحسية فإنها كالسفينة وآلاتها وهي جارية في بحر الهيولى وينعقد من أجزائها فإذا طلعت شمس الحقيقة ذابت بها المجازات واضمحلت وانحلت التراكيب ذوبان الجميد واضمحلال الثلج بحرارة ارتفاع الشمس أوان الصيف ولا نجاة إلا لمن تعلم السباحة في الماء أو ركب سفينة النجاة فإن هذه سفينة الهلاك . فإن أهل النجاة إما علماء قادرون على السباحة في ماء الحياة وإما متعلمون من أهل التقليد محمولون على سفائن الاهتداء ذوات ألواح ودسر كسفينة نوح وسفينة أهل البيت ع « 1 » فمن لم يكن عالما ولا متعلما فسبيله الهلاك في بحر الدنيا وجحيم الآخرة أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً « 2 » . فقد انكشف أن هذا البحر سينقلب يوم القيامة نارا محرقة ومن غلب عليه

--> ( 1 ) ورد في الصحاح المعتبرة من طرق العامة والكتب المعتمدة والطرق الصحيحة من طريقة أصحابنا الإمامية وأشياخنا الاثنا عشرية : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ( 2 ) س 71 ى 25