صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

316

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

قال القيصري في شرحه « 1 » للفصوص واعلم أن من اكتحلت عينه بنور الحق يعلم أن العالم بأسره عباد الله وليس لهم وجود وصفة وفعل إلا بالله وحوله وقوته وكلهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمن الرحيم ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذب أحدا عذابا أبدا وليس ذلك المقدار من العذاب أيضا إلا لأجل إيصالهم إلى كمالهم المقدر لهم كما يذاب الذهب والفضة بالنار لأجل الخلاص مما يكدره وينقص عياره فهو متضمن لعين اللطف كما قيل وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى * وقطعكم وصل وجوركم عدل « 2 » الكي

--> ( 1 ) شرح القيصري على فصوص الحكم ط 1282 ه ق ص 246 الفص الهودي وقد بين هذا التحقيق في الفص الإسماعيلي أيضا ص 228 والشيخ العارف ابن العربي يشير في أمثال هذه المواضع إلى ما فيها من الرحمة الحقانية وهي من المطلعات المدركة بالكشف لا أنه ينكر نعوذ بالله وجود العذاب وما جاء في الكتاب الإلهي أنواع العذاب في النشأة الدنياوية حاكية عن العذاب في الآخرة لأن عذاب الآخرة أبقى وأدوم فالمصير إلى ما حققناه ( 2 ) لا بأس بذكر مسألة دوام العذاب وخلود الكفار وما يرد على المصنف العارف النحرير والشيخ الأكبر ابن العربي وأتباعه وعمدة استدلال المصنف ونقاة حجته على انقطاع العذاب يرجع إلى الدليلين الأول أن فطرة التوحيد أي الفطرة الله التي فطر الناس عليها أصل ثابت في السعداء والأشقياء والفطرة الذاتية لا تزول بطريان الفسق والكفر والكفر والفسق صفتان عرضيتان بالنسبة إلى الفطرة الأولية والمقاوم الذاتي الداخلي تغلب على الصفة العرضية الموجبة للعذاب وإلى هذا أشار أستاد مشايخنا العظام [ آقا محمد رضا قمشه‌اي رض . ] خلقان همه بفطرت توحيد زاده‌اند * اين شرك عارضى شمر وعارضى يزول از رحمت آمدند برحمت روند خلق * اين است سر عشق كه حيران كند عقول أصل نقدش لطف وداد وبخشش است * قهر بر وى چون غبارى از غش است الثاني أن الرحمة الواسعة وسعت كل شيء وسبقت على غضبه ومقتضى الرحمة الرحمانية غلبتها على الغضب وتخلص الكفار عن النار يرد عليه أن مبدأ العذاب في الكفار أمر جوهري وطبيعة ثانوية حاصلة من تكرر الفسق والفجور ولهذا كانت حركة الكفار في الآخرة إلى الصور المؤلمة المؤذية حركة دورية وإذا لم تكن لهم الحركة المستقيمة لا محالة يقفون في النار الذين رسخت في باطن وجودهم الهيئات الردية والصور البهيمية ليس لهم رافع خارجي ولا دافع داخلي يدور عليهم العذاب على الدوام ويتجدد عليهم الصور المؤلمة ! أزلا وأبدا وغاية وجودهم ذوق النار والانغمار في العذاب ويؤيده قوله تعالى : خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي وهؤلاء للجنة ولا أبالي والرحمة الرحمانية وسعت كل شيء حتى الكفار وهذا لا ينافي دوام العذاب لأن المخلدون في النار بالنسبة إلى أهل الجنة أقلون وهذا معنى سبقة الرحمة على الغضب واعلم أنه لا مبدأ لحركة أهل النار لا خارجا ولا داخلا لأن المتحرك في الآخرة مستكف بذاته ومبدأ ذاته لا يموت في الآخرة حتى يتخلص عن النار ولا يحيى أي لا يصل السعادة والنعمة وحرام عليه رائحة الرحمة والمصنف العلامة قده قد رجع عن هذا القول في الرسالة العرشية التي صنفها بعد هذا الكتاب وقال وأما أنا والذي لاح لي بما أنا مشتغل به من الرياضات العلمية والعملية أن دار الجحيم ليست بدار نعيم وإنما هي موضع الألم والمحن وفيها العذاب الدائم وليس هناك موضع رحمة وراحة واطمينان الرسالة العرشية ط گ ه ق ص ومما ذكرناه ظهر أن ما قيل في هذا المقام انقطاع العذاب وصيرورته عذبا تمويه وخيال في خيال وما أنزل الله بها من سلطان والمتبع في أمثال هذه المسائل نصوص الكتاب والسنة والبراهين العقلية لا الخطابات الذوقية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل