صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 40

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

والمسألة المهمة التي أوضحها المصنف في هذا الإشراق هي تجرد قوة الخيال وسائر القوى المدركة للجزئيات . كما اعتبر قيام الصور القائمة بالمدارك الباطنية قياما صدوريا ، والحق معه ، لأن نسبة الصور الإدراكية إلى النفس نسبة الفعل إلى الفاعل « فآمن بوجود عالم آخر مقداري جسماني » . والإيمان بوجود عالم مقداري وقيام صور مجردة بمحال مجردة أنفع من أي تحقيق في أمر المعاد الجسماني . كذلك بيّن حكمتين مشرقيتين في إثبات أن للنفس جهتين نورية ونارية . نارية وهي جهة الطبيعة « نار اللّه الموقدة » ، ولهذا خلقت من نفخة الصور ، ونورية قائمة بالحق ورضوان اللّه الأكبر ، فإذا ما أصبحت ناره نورا وتجردت من الكدورات لأصبحت تامة الوجود . ثم قسّم النفخة إلى قسمين ، نفخة تطفئ النار ونفخة أخرى تشعلها . وقد تأثر في معظم هذه المباحث بالشيخ الأكبر ابن عربي . وحقق ملا صدرا في عدة مواضيع نافعة في أمر المعاد ، الأول أن جميع قوى الإنسان تتحد في منزلة الرجوع إلى غيب الوجود والسفر من نشأة إلى نشأة أخرى ، والثاني ، أن بين كائنات العالم يمتلك الإنسان خواصّ عجيبة وآثارا محيرة ، والإنسان إما أن يكون مغمورا بالشر أو يكون مغمورا بالخير ، أي يكون للنفس في ذاتها قوتان نظرية وعملية تلك للصدق والكذب وهذه للخير والشر . وفي مسألة الرجوع إلى اللّه تعالى يختلف إنسان عن إنسان آخر ، فالنفوس الكاملة في هذه النشأة تصبح منشأ خرق للعادات ، وأما النفوس المتوسطة فتصل في نشأة الآخرة إلى الفناء الحقيقي ، وحسب الدلائل العقلية والنقلية فإن أهل الجنة يوجدون ما يشاؤون بصرف الإرادة ، على عكس الكمّل فبعد رفع الحجب النورانية والظلمانية والفناء في الحق الأول يصير وجودهم وجودا حقانيا والوجود الحقاني يكون سيره وسلوكه إليها . وقد بيّن الشيخ « قده » أحوالات النفوس في نشأة الآخرة وشرح بشكل مبسط تأثير كمال القوة العلمية والعملية في الصقع الداخلية للنفس ، وأوضح أن نفوس الأشقياء في الآخرة تصبح مصدرا لصور مؤلمة ومعذبة ، متحركة في الملكات والصور الحاصلة من الملكات . وبين ملا صدرا مراتب العقل النظري وحصر مراتب العقل العملي بأربع مراتب بحسب الاستكمال . يشتمل شاهد آخر لهذا المشهد على إشراقات أثبت من خلالها ملا صدرا