صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 12
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
من مقام الحجاب يستحيل عليه إدراك الحقائق ، لأن الفكر والعقل يكوّنان حجابا بين الإنسان والواقع ، والصورة المستحصلة من العقل هي حجاب اللّه الأكبر ، إذ قيل « العلم حجاب اللّه الأكبر » ، حتى في مقام الشهود ، فالشهود الكامل هو عبارة عن فناء الشاهد في المشهود بشكل ينجي السالك من عناء حمل المشاهدة ويشعره بالفناء الحقيقي . لا يمكن كشف الكثير من المباحث المتعلقة بالمبدأ والمعاد لا سيما الحقائق المرتبطة بالآخرة وعالم ما بعد الموت من خلال الاستدلال البحت ، كما أن العقل النظري عاجز عن إدراك أوليات الأمور الأخروية ، وليس بمقدور السالك بلوغ درجة معينة إلّا عن طريق الشرع المحمدي وإنارة القلب بتوجيهات النبي الأكرم ( ص ) وأهل بيت النبوة الأمجاد الذين هم خير من نظم سلاسل الطول والعرض للمبدأ والمعاد ، وخير دليل للتائهين في الصحراء « 1 » . * * * لقد ترك التصوّف أثره العميق في غالبية الشعب العلمية ، ولهذا السبب فإن معظم المفكرين ليسوا في غنى عن هذا العلم ولو بنسب متفاوتة . إن الأفكار الصوفية كان لها الأثر البالغ حتى في آراء وأفكار المشّائيين المتمسكين بالاستدلال الصرف « 2 » ، ولكن هذا الأثر في كتب ملا صدرا يبدو أكثر تجليا ووضوحا ، فبعد تفسير ملا صدرا لكتاب اللّه المجيد الطافح بأفكار أهل الكشف ، يعتبر هذا الكتاب « الشواهد » أكثر من غيره من مؤلفات ملا صدرا امتزاجا بقواعد أهل السلوك ، وتمثيلا للأفكار الحقيقية لهذا الحكيم الإلهي . ونحن في هذه المقدمة بصدد توضيح خصوصيات هذا الكتاب . يفسر لنا ملا صدرا وغيره من القائلين بالحكمة النظرية والكشفية سبب ترجيح
--> ( 1 ) ومن هذا المنطلق إمتازت كلمات ملا صدرا في المسائل المهمة المتعلقة بالحياة بعد الموت عن سائر المشارب : فكلمات الفلاسفة في مسألة المعاد والمباحث المتعلقة بالمعاد وغير ذلك من المباحث المبتنية على تعقل حقيقة الوجود وبلوغ وحدة أصل الوجود وتشكيك الخاص بل خاص الخاص وأخص الخواص ، مملوءة بالعبارات النادرة والمتناقضة ، « والعجب من رام منهم بزيادة تحقيق أو تدقيق وإنما جاء بكلمات متناقضة وما خلص من دياجيرها إلّا الأقلّون ، ولعمري كلمات أكثرهم مجموعة من ظلمات بعضها فوق بعض وما ظلمهم اللّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » . ( 2 ) مقامات العارفين في إشارات الشيخ تعتبر دليلا صادقا ، حيث يقول الشيخ في صفات العارفين « وهم في جلباب من أبدانهم قد نضوها ورفضوها . . . الخ » ، وتحوي هذه المقامات بعضا من مباني السلوك .