صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 13

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

طريقة السلوك والكشف والشهود على طريقة أهل الرأي والتابعين للبراهين البحتة ، على الشكل التالي : إن حقائق العلوم والمعارف هي في عالم خارج عالم المادة وزمان يتفشى فيه الجهل والظلمة ، فمخزن ومعدن العلوم والمعارف وخاصة الحقيقية منها لها مراتبها ومقاماتها ، والعالم بعد عالم المادة أو ما يعرف بعالم البرزخ هو من مراتب وجود الحقائق العلمية . والمرتبة الثانية الدّالة على وجود المعارف هي عالم العقول العرضية والطولية وعوالم الملائكة المجردة ، والمرتبة الأعلى للمعارف هي في مقام الأحدية ووحدانية الوجود ، والعلوم والحقائق في هاتين المرتبتين العلميتين تكون صافية وخالية من الشوائب « لصفاء المعلوم وتعرّيه عن الحدود » ، فالعلم حقيقة مجردة من المادة الملموسة وبعيدة عن الامتزاج في المادة ، والنفس عندما يتحقق لها الترفّع عن المادة تصبح متّصفة بالعلم ، وأول مرتبة للعلم والمعلوم هو مقام تجرد النفس عن المادة ، ومن هنا فإن أول مقام للعلم هو في ارتفاع النفس فوق المادة وبلوغ مقام البرزخ والتجرد البرزخي . وقد أثبت ملا صدرا ببراهين متعددة وجود عالم فوق عالم المادة وأنزل من عالم المعنى والعقل الصرف « 1 » . إن النفس بعد ترفعها عن المادة وبلوغها عالم البرزخ تكون قد تجاوزت هذا العالم إلى عالم العقل والمعنى ، وهذه المرتبة الثانية لعالم العلم والمعلوم ، وفي جميع هذه المراتب يعتبر ملا صدرا أن عامل اتصاف النفس بالعلم والحصول على الصورة العلمية يكمن صراحة في رحيل النفس وسفرها المعنوي من عالم المادة إلى عالم البرزخ وورودها من خلال عالم البرزخ إلى عالم العقل . بمعنى أن أساس حصول العلم ليس في تقشير نفس الحقائق عن المادة بل في تحوّل وتحرك النفس وسيرها نحو العوالم العليا . ويعتبر ملا صدرا أن ملاك حصول العلم في الجزئيات والكليات هو في اتحاد النفس مع صورة في عالم البرزخ ومثال ومعنى وحقيقة في عالم العقل الصرف . إن

--> ( 1 ) لقد بيّنا في شرح حال ملا صدرا وآرائه الفلسفية أفكاره في هذا المجال بشكل مقتضب ، وبحثنا فيها بصورة مفصلة في « مقدمة القيصري » . شرح حال ملا صدرا وآراؤه العلمية - طبعة مشهد ( 1382 ) ه ص ( 112 ) إلى ( 145 ) ، وشرح « مقدمة القيصري » - ( 1385 ) ه ق - ص ( 210 ) إلى ( 260 ) مباحث العلم .