الشيخ داود الأنطاكي

79

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

فلا نسلم أن الحياة منه ، بل نقول انما بعث الأعصاب للقلب ليستمد منه بها . وأقول أنا أيضا : إن هنا دليلًا آخر على أن القلب هو الأصل ، وهو أن جالينوس قد صرح بأن الدماغ بارد والقلب حارّ ، وأن الحرارة هي مادة الحياة فلا يكون محلها فرعاً ، والا لكان أفضل من الأصل . وأيضاً أقول : إن من الجائز أن تكون الأعصاب ثابتة من القلب ، وانما دقت عنده وغلظت حين بعدت عنه ، لعناية من الحكيم المطلق بالرئيس لينفسح مكانه عليه ، وكذا قالوا بالخلاف السابق في الأوردة هل هي من الكبد أو القلب . والجواب الجواب . وإلى غير قابل ولا معطٍ كالعظام . وهذا القسم ساقط عندي ؛ لأن العظام تقبل الغذاء من غيرها وإلّا ؛ لاستقلت بالتوليد وهو بديهي البطلان . % تنبيهات الأول : كون القلب معطياً غير قابل غير مسلم عندي ، فإنه يأخذ الأرواح والغذاء من الكبد قطعاً ثم ينضجها . ولو لم يكن كذلك ؛ للزم أن يتحول إليه غذاء من المعدة يتولى توليده بنفسه ، وهو باطل بالاجماع . ولا يلزم من كونه قابلًا عدم رياسته المطلقة ، فإنها له بما ذكر من توليد الحياة الغريزية لا بعد القبول من الغير . وعليه ليس لنا عضو معط غير قابل ، ويبطل التقسيم . الثاني : اختلفوا في القوى الفاعلة في هذا التدبير هل هي من القلب أو مخترعة من الواهب جل وعلا ؟ الفلاسفة على الأول . قالوا : بأن هذه أعضاء متفاوتة ، فان القلب بعيد ما بينه وبين نحو اللحم في جميع الحالات ، فلا بد وأن يكون مميزاً أفضل تمييز وهو ايجاد القوى . وذهب قليل من الحكماء إلى أنها مفاضة عليه وعلى غيره من واهب الصور . وهو الحق عندي ؛ لأنهم اما أن يعترفوا بأن القلب مسبوق بالعدم أولًا . لا سبيل إلى الثاني . وعلى الأول ، إن كانت افاضته للقوى قبل وجوده لزم تأثير المعدوم وهو محال ، أو بعده فمن أثر فيه ؟ فان قيل : النطفة قلنا : الصورة الحاصلة في النطفة بالقوة