الشيخ داود الأنطاكي
70
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
وأنا أقول : إن هذا الجواب أو هي من الأول ؛ لأنه لا يتم إلّا فيمن تناول غذاءين مختلفين فيلزمه أن من أكل اللحم مثلًا وحده يتحول خلطاً واحداً ، وليس كذلك ، أو أنه يقول إن اللحم وحده في حكم اللبن والباذنجان معاً ، فهو مركب حسّي ، ولا اعتداد بفعل الطبيعة هنا . وهو فاسد ؛ لأن هذه المفردات بسائط اجماعاً ، وإن لم تكن كبساطة العنصر والفلك والا لتميز الزئبق عن الذهب فراراً والعصارة من الحنطة غضة ، والقاطر من اللحم دماً غليظاً ، وهو بديهي البطلان فتأمله . والذي أقول : إن الفاعل وإن كان هو الحرارة إلّا أنها مختلفة في نفسها فما كان من جهة القلب أشد ، والكلى أوسط والشحم أعدل . والظهر أبرد العظام ، فيكون توليد الأخلاط في جوانب الكبد على هذا الترتيب ، وانما يرتفع ما خف . . . الخ كما مر بعد الطبخ بالغليان كما يشاهد في القدور ، وإن اختلف الغذاء اجتمع ما قلناه ، وكلام هذا الفاضل هو الحق ، ولم أعلم من سبقني إليه . وأفضل الأخلاط بالاجماع الدم ؛ لأنه المغذي بالذات والموصل غيره إلى الغاية وبه الاشراق في الألوان والتسخين المعتدل القوام ، والطبيعي منه الأحمر جداً إن كان في الكبد الناصع في القلب المعتدل القوام إلّا ما في القلب فالرقيق الطيب الرائحة الحلو بالنسبة إلى باقيها ، وغير الطبيعي ما تغير عما ذكر بنفسه ، أو بغيره ولو في البعض ، وينتسب الدم في الأركان إلى الهواء . ويليه البلغم في الرتبة على الأصح ؛ لأن فيه الأخلاط كلها بالقوة وتقلبه الأعضاء دماً إذا احتاجته ، وبه الترطيب الحسي والتبريد الكاسر للحرارة المفسدة وأفضله الطبيعي ، وهو المعتدل في كل حالاته ، وهذا هو الذي يستحيل كما ذكر . % تنبيه ليس المغذي في الحقيقة إلّا الدم ، والباقي كما قال الشيخ مثل التوابل « 1 » . وجالينوس يقول : بتغذية الكل وإلّا كانت الأعضاء لوناً واحداً . وردوه : بأنها هي التي تحيل الخلط إليها . وهذا الراد عندي مهمل ؛ لأن
--> ( 1 ) التَّابْلُ : أبازير الطعام . والجمع : توابل : ( المعجم الوسيط ) . )