الشيخ داود الأنطاكي

71

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

البحث في انعقاد الأعضاء في الأصل ، فيلزم أن تكون فاعلة قبل تمام صورتها ، وهو باطل . وعندي : إن الكلامين فيهما نظر والصحيح : أن ليس لنا خلط يستقل بالغذاء ، وانما الغاذي هيئة مجموعة نسبتها إلى الأربعة كنسبة السكنجبين « 1 » إلى الخل والسكر مفردين . نعم ، ما احتجّ به على تغذية الأخلاط بمشاهدتها في الدم الخارج بنحو الفصادة غير ناهض ؛ لجواز أن يكون الدم قد حملها إلى الأعضاء لباقي المنافع . وبلغم اما فاسد في نفسه وهو التفه المائي ورقيقه المخاطي وغليظه الماسخ المعروف بالخام ، أو لمخالطة غيره فان كانت الصفراء فهو البلغم المالح ، وهذا قد يغلظ جداً فتكون عنه المحية وقد برق بكثرة مائيته وهو المالح المطلق ، وكلاهما سخن بالنسبة إلى باقي البلغم ، وهذا الرقيق أن استحال في المعدة واحترق صار كراثياً ؛ لمشابهته عصارة الكراث . وقيل : إن الكراثي لا يكون عن البلغم أصلًا ، وهو الأوجه كما سيأتي ، أو خالطته السوداء ، فإن كان الطبيعي منها فالبلغم الحامض وقد يكون الحامض عن حرارة غريبة كما يقع في الألبان ، أو غيره فالحصا إن اشتد غلظه ، والا الزجاجي ، وكلاهما أبرد أصناف الأخلاط مطلقاً لا البلغم وحده . خلافاً للأكثر ؛ لأنهما قد جمعا أصناف الباردين . ومن البلغم نوع عفص « 2 » يكون عن مائيته السوداء أو فسد بالدم فهو الحلو ، وطبع البلغم كالماء . وتليه الصفراء ؛ لأنها حارة تمد الحياة . وقيل : هي أفضل ؛ لأن بها النضج والتنقية . وليس كذلك ؛ لمجاوزتها الاعتدال ، وهي : اما طبيعية خفيفة حادة ناصعة الحمرة عند مفارقة الكبد قوية الصفرة بعده ، ولا تشتبه بطبيعي الدم ؛ لخفة حمرتها وميلها إلى الحدة والمرارة ، وعدم جمودها ؛ لعدم اللزاجة بخلافه . وتنقسم إلى ذاهب مع الدم للتلطيف والتنفيذ وتغذية ما ، وهي أخف حدة في الأصح ؛ لعدم الحاجة إليها هنا . وإلى هابط إلى المرارة يغذيها ويغسل

--> ( 1 ) السكنجبين : معرَّب عن ( ( سركاانكبين ) ) الفارسي ، معناه : خلّ وعسل . شراب مشهور يُراد به هنا كلّ حامض وحلو . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 450 ، ولاحظ : ص 483 أيضاً ) . ) ( 2 ) عَفِصَ الطعام ، عَفَصاً ، وعُفُوصَة : كان فيه مرارة وتَقَبضُّ . ( المعجم الوسيط ) . )