الشيخ داود الأنطاكي

69

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

فصل في ثالثها : وهي الأخلاط جمع خلط ، وهو جسم رطب سيال يستحيل إليه غذاء البدن أولًا لحفظه ، والمراد منه إذا أطلق الأربعة ، وفي الأصل هو رطوبات ثمانية عرقية مثبوتة في التجاويف للترطيب ونطفية مقارنة أصل التخلق ، وفضيلة تكون معدة للحاجة ورطوبة عضوية تشابه الطلّ « 1 » ، وفائدتها حفظ الأعضاء ، وهذه تبقى بعد الموت مدة والا لتفتت البدن حين تفارقه الروح . وأما الأربعة المقصودة بالذات من اسم الخلط ، فهي كائنة في كل غذاء أخذ فإنه حين يصير إلى المعدة تطبخه بعد هضم يسير في الفم ماء ثخيناً ينجذب صافيه إلى الكبد فيصير أخلاطاً ، الطافي منها هو الصفراء ، والراسب السوداء ، وما بينهما فناضجه الدم وقاصره البلغم ، وتختلف كمياتها بحسب المأكول ، فإن كان نحو اللبن فالأكثر البلغم ، أو الفراريج « 2 » فالدم أو العسل فالصفراء ، أو الباذنجان فالسوداء ، وأقله الضد المطلق والباقي بحسبه ، وقد يتحول ما أكثره البلغم إذا أكله الشبان في الصيف والحجاز إلى الضد وبالعكس فاعرفه ، وكذلك يقع الاختلاف بحسب صحة القوى ، وهذا التحويل فاعله الحرارة ، وماديته الغذاء ، وصورته ذات الخلطة المتصفة بأوصاف الطبيعة ، وغايته المنافع الآتية . وأوردوا عليه : أن الفاعل إذا كان الحرارة وهي واحدة فكيف يصدر عنها القاصر ، وهو البلغم والمعتدل وهو الدم والنضج وهو الصفراء والمحترق وهو السوداء ؟ ! وأجاب الامام : بأن الأصل أن يتحول الغذاء دماً ، وانما تكون هذه عند انحراف المزاج . ورده الملطى : بلزوم عدمها في المعتدل وهو محال ، وأجاب عن أصل الأشكال : بأن الفاعل وإن كان واحداً إلّا أن القوابل مختلفة وهي الأغذية المركبة فان منها ما لا يقبل التحليل فلا ينضج بسرعة فيقصر عن الفعل وهكذا . انتهى .

--> ( 1 ) الطلَّ : المطر الضعيف . الندى . ( المنجد في اللغة ) . ) ( 2 ) الفَرّوج : فَرخ الدَّجَاجَة . والجمع فراريج . ( المعجم الوسيط ) . )