الشيخ داود الأنطاكي

59

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

هذا كله إذا كانت الأفعال في مواقع الصعود ، فان نظرت حالة الاحتراق كان الكائن نحو السبج « 1 » والزاج ، أو وقت الوبال فنحو الشبوب « 2 » والزاجات . وفي الفرق دقة يعرفها من أتقن الاحكام ، هذا حال نظرها إلى المكشوف . وأما نظرها إلى الماء فمقتضاه اختلافها في ملوحته وحلاوته وتوليد نحو العنبر « 3 » والقطر « 4 » على النمط المتقدم ، وإذا هيأت المزاج بمعونة القطر والتعفين على القياس السابق ، كان النبات على اختلاف أنواعه . وأما الكون الثالث : فهو المتخلق بجميع حالاتها بعد قلب العصارات نباتاً ، وصيرورة النبات غذاء أصالة كالحنطة أو عرضاً مشاكلًا كاللحم أو قريباً من المُشاكل كالبيض أو دونه كاللبن ، وتحول هذا المذكور نطفة يخدمها السبعة في الأطوار السبعة إلى الآجال المعلومة للحكيم المطلق . فهذه حقيقة حقائق المواليد الثلاث كما دونه ونقله عنه الحكماء وغيرهم ، ولبسطها علوم شتى كما أشرنا إليه ، قال : وسبب تثليثها عن الأربعة إناطة الاحكام بالمثلثات . تكميل وايضاح ليس الاسناد إلى المثلثات كما أجمعوا إليه تبعاً للمعلم قاطعاً بانحصار الموالدات في المواليد الثلاث ، فاني أقول إنها أربعة طبقا لأصول المواليد الثلاث المذكورة ، والمولد الرابع ، هو مولد الكائنات الناقصة ، وأصله الدخان والبخار كالزئبق والكبريت والعصارات والتعفين والنطف الثلاثة ، والاشتمال هذا المولد على أنواع كثيرة ليس بشيء من الثلاثة وهي من المزاج اجماعاً . فليت شعري ما ذا يقول فيها ؟ والذي يظهر لي أن عدم تقريره لذلك شدة اشتغاله بتدوين الأصول ، مع أنه فصل أنواعها في الآثار العلوية ، غاية الأمر أنه لم يقل انها من أصول المزاج ، وذلك لا ينافي ؛ لشهادة الحسّ به ، لكن قد منع من كونها تامة ارتفاعها في الجو ،

--> ( 1 ) السَبَج : الخرز الأسود . فارسي معرَّب . ( محيط المحيط ) . ) ( 2 ) الشَّبُّ : ملح متبلّر ، اسمه الكيماوي : كبريتات الألمنيوم والبوتاسيوم ، ويطلق على أشباه هذا الملح . ( المعجم الوسيط ) . والشّبوب : جمع شَبّ . ) ( 3 ) العَنْبَرُ : مادة صلبةٌ لا طعم لها ولا ريح إلّا إذا سحقت أو أحرقت . يقال : إنه روث دابة بحرية ، وحيوان ثديي بحري من الفصيلة القيطسية ورتبة الحيتان . يفرز مادة العنبر . ( المعجم الوسيط ) . وفي القانون : العنبر فيما يظن نبع عين في البحر ، والذي يقال من أنه زبد البحر ، أو رَوَث دابة بعيد . ( ج 1 ، ص 613 ) . وفي تذكرة الأنطاكي : الصحيح انه عيون بقعر البحر تقذف دهنية ، فإذا فارت على وجه الماء جمدت فيلقيها البحر إلى الساحل ، وقيل : هو طلٌ يقع على البحر ثم يجتمع ، وقيل روث لسمك مخصوص ، وهذه خرافات . . لاحظ : ( ج 1 ، ص 544 ) . ) ( 4 ) القُطُر : العود الذي يتبخر به . ( محيط المحيط ) . )