الشيخ داود الأنطاكي

60

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

ألا ترى أن منها ما هو قريب من التمام مثل الخشكنبجين « 1 » والشيرخشت « 2 » وحقيقة هذه أن الأشعة إذا سقطت وحللت الحرارة صعدت ما صادفته على البسيطة والماء فإذا كان الصاعد رطباً فهو البخار والا فهو الدخان ، ثم الرطب إن ضعفت حركته ودام قريباً من الأرض فهو الضباب ، وإن ارتفع إلى الجو فان تكاثف فهو السحاب ، ثم إن صادفه الحرّ انعكس كما يتقاطر في الحمام ، وإن اعتدل انحل مطراً ، فان شدّ عليه البرد ، قبل تقاطره انعقد كالقطن أو بعده ذهبت زواياه واستدار ونزل منعقداً ، والأول الثلج ، والثاني البرد ؛ ومن ثم يكون الأول في نفس الشتاء ، والثاني في الربيع . وما بقي من هذه البخارات فان قابل الشمس ، فهو قوس قزح ؛ لعدم تمام الدائرة والا الهالات « 3 » وأما الدخان ، فإن لم يرتفع أيضاً انقلب ريحاً ، وإن اختلف عليه الهواء فهو الزوابع « 4 » ، وإن ارتفع إلى الزمهرير « 5 » فان انعقد تحته البخار أو سحاب فتكاثف فوقه انعقدت الصواعق ، ثم مزقت السحاب فيظهر شعيلها ، وهو البرق وصوت التمزيق ، وهو الرعد وتسقط وهي صاعقة . وإن ارتفع الدخان إلى كرة النار ، فان تمزق مستطيلًا فهو الشهب ، أو مال إلى ناحية فذوات الأذناب ، أو تقطع فالعلامات الحمر والسود ، وقد يسقط شعلًا في مكان ما ، ويسمى نيراناً ، وأن تركبا معاً وصعدا ، فان قلّ الدخان وعملت الحرارة بالاعتدال حدثت الحلاوة فسقط الترنجبين « 6 » ، وإن افرط اليبس فالخشكنجبين ، أو اعتدل فالشيرخشت ، وإن لطفا معاً فالمر ) « 7 » ، وإن عدمت الحرارة فالطلول الفاسدة ، هذا حكمها حال الصعود . وإن تحيزت في الأرض وتخلخلت ، فان اشتد البخار تفجرت المياه أنهاراً سيالة إن كثرت مادتها وإلّا عيوناً وآباراً . وأما الدخان ، فان شق الأرض خرجت النيران العظيمة ، وإلّا ذهب في الاغوار عفونة ، وأن تركبا واشتدا فالزلزلة ، وإلّا فالمعادن ، كما تقدم . فقد بأن

--> ( 1 ) الخَشْكنْجَبين : عسل يابس يُجلب من جبال فارس له رائحة دوائية . حار يابس في الثانية . ( بحر الجواهر ) . وفي تذكرة الأنطاكي انه : فارسي معناه : العسل اليابس . طلٌ يقع بجبال فارس على أشجار هناك فيتلون ويتروح بما فيها ، وكذلك طعمه ، وهو حار يابس في الرابعة . ( ج 1 ، ص 342 ) . وفي الجامع لابن البيطار عن المجوسي أنه : أشد مرارة ويبساً من العسل ، وفعله أقوى من فعل العسل في جميع حالاته . ( ج 2 ، ص 331 ) . ) ( 2 ) في القانون : شيرخشك . ( ج 1 ، ص 677 ) ، وكذا في التذكرة للأنطاكي قال : شِير خُشْك : معرّب من الفارسية ، وأصله : شيرين خسك : يعني بسة . وهو طلّ يقع على الأشجار خصوصاً الخلاف أواخر الربيع ، وأجوده الأبيض الهشّ الحلو الضارب إلى مرارةٍ ما . لاحظ : ( ج 1 ، ص 498 ) . . ) ( 3 ) أي الأمطار : وفي محيط المحيط : الأهاليل ، الأمطار ، لا واحد لها أو واحدها أُهُلُول . . ) ( 4 ) الزَوَابع : مفردها ، زَوْبَعَة : والزوابع : هيجان الأرياح وتصاعدها إلى السماء ، ويقال لها أيضاً ( ( أم زوبعة ) ) و ( ( أبو زوبعة ) ) . لاحظ : ( المنجد في اللغة ) . ) ( 5 ) الزَّمْهَريرُ : شدَّهُ البرد . ( المعجم الوسيط ) . ) ( 6 ) التَرَنْجَبِين : في الجامع لابن البيطار عن إسحاق بن عمران : هو طل يقع من السماء ، وهو ندى شبيه بالعسل الجامد متحبب ، وتأويله ( ( عسل الثدي ) ) ، وأكثر ما يقع على شجر الحاج ، وهو العاقول ، ينبت بالشام وخراسان . ( ج 1 ، ص 187 ) ، ومثله ما في القانون ( ج 1 ، ص 687 ) . لكن في تذكرة الأنطاكي : فارسي معناه عسل رطب ، لا طلُّ الندى كما زعم . وهو طَلُّ يسقط على العاقول بفارس ، ويجمع كالمنّ ، واجوده الأبيض النقيّ الحلو . وهو حار في الأولى رطب في الثانية أو معتدل . ألطف من الشير خشك . ( ج 1 ، ص 233 ) . ) ( 7 ) المُرّ : هو السمري في المقالات . وهو معروف مشهور يسيل من شجرة بالمغرب كأنها القرظ تشرّط بعد فرش شيء تسيل عليه في طلوع الشعرى فيجمد قطعاً إلى حمرة صافية تنكسر عن نكت بيض في شكل الأظفار خفيفة هشة ، وهذا هو الجيد المطلوب ، ويترجم بالمرّ الصافي ، ومنه ما يوجد على ساق الشجرة وقد جمد كالجماجم ، وهذا هو المعروف ب ( ( مرّ البطارخ ) ) ؛ لأنه يحكي بيض السمك في دسومته وصفرته وسهوكته ، وليس يردئ ، ومنه ما يعصر فيسيل ماء ثم يجمد مائلا إلى السواد ويحكي الميعة السائلة ، ويسمى ( ( المّر الحبشي ) ) ، وهو دون الثاني ، ومنه صنف يؤخذ بالطبخ والتجفيف قوي الزهومة والحدّة والصلابة والسواد ، وهو قتال فليجتنب من داخل . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 651 ) . )