الشيخ داود الأنطاكي

48

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

أو يكون العلم المفروض خاصة هو المحتاج إلى الطب أو العكس . % فالأول : مثل علم العوم فإنه عبارة عن الخفة على الماء بجملة البدن من غير آلة ، وهذا لا يحصل للجسم الكثيف إلّا بعد صيرورته ظرفاً لجسم لا يمكن غوصه في الماء وذاك اما النار أو الهواء ، ولا سبيل إلى الأول ، فتعين الهواء ، وابتلاعه يكون اما بالتنشيق من الانف والفم أو الهدر أو المقدور من الفم خاصة ، وكلاهما محصل للغرض . لكن الأول أسهل ومتى دخل الهواء المذكور ملا الخلاء وبرد الماء وولد الأرياح الغليظة والفتق وفساد الهضم ونحو ذلك . فإذا كان عارفاً بالطب استفاد منه اصلاح ذلك ، وقد استقصينا علم السباحة وآدابها السبعة عشر وكيفية بلع الهواء وما يستعمل فيه من المآكل في التذكرة ، وأما أن الطب محتاج إلى العوم فبيانه : أن الطب يأمر الأبدان قبل الأغذية بالرياضة لتحليل الفضلات ولا شيء أصلح من العوم في رياضة الأبدان الجافة . وأما الثاني : فمثل علم الكتابة والنقش والتصوير ، فإنها محتاجة إلى الطب في تصحيح الذهن والبصر ؛ ليتم المطلوب وليس للطب حاجة إليها . وأما الثالث : فمثل التشريح فان الطب يحتاج إليه جداً في أمور كثيرة ، بل لا يتم إلّا به ، والتشريح من حيث هو في غنية عن الطب . هذا كله مع تحقيق المناط بالوجه الظاهر . أما إذا نظرت في مطلق الاحتياج فليس لنا علم يستغني عن الطب ؛ لأن تحصيل العلوم والقيام بنظام الناموس الشرعي والإلهي وغيرهما لا يتم إلّا بالصحة ، وهي لا تكون إلّا به ، فافهمه . فصل في كيفية الارتباط وفاعلية العالي في السافل كليهما وجزءيهما ما استحال اتصاف غير الواجب المطلق بالوجوب الذاتي بقطع قواطع الأدلة علائق الاشتراك عنه فيه ، وثبت افتقار ما سواه إليه ولو واجباً لغيره ، واستحال صدور الكثرة بالتأثر من واحد جهة واعتباراً ، ورأينا وجود ذلك ؛ لزمنا النظر في حقيقته . فقلنا : انه لا بد من صادر أول يكون التكثر بسببه ، ورأينا