الشيخ داود الأنطاكي
36
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
أو حكم بحالة ، فإنما ذاك من لواحق الاغيار ؛ لتنزه الواجب عن خطرات الظنون ولحظات العقول مطلقا ، وانما كان لها المحال في الصفات للحكمة العائد ما يترتب على غاياتها إلى المكلفين . ثم الوجود المشار إليه انما لحقته هذه التسمية باعتبار معرفتنا له خاصة ، لا أن فيه دلالة بمفهوم ولا تقابل مطلقاً فافهم . وهو منزه عن المواد والهيولى « 1 » والصور « 2 » اللاحقة للامكان لخروجه عن سلسلته وتساوي نسب أنواعه ، فلا مخصص لبعض دون آخر ، فلنذكر كيفية التأثير والايجاد ودخول الاحكام المختلفة في الاشخاص الصادرة عنهما . ولما كانت كلها بمقتضى العلم وكان هو الأشرف على الاطلاق وجب أن نقدم القول فيه أولًا ، ثم في العوارض والاغراض المقصودة . فصل العلم حصول صورة المعلوم انتقاشاً في قوى العقل والنفس المعبر عنها بالذهن ، فهي كالمرآة والانتقاش فيها كانطباع المرئيات في تلك ، فعليه قد يسهل النقش وزواله إن أفرطت الرطوبة أو يسهل الأول دون الثاني إذا أفرطت الحرارة والعكس ، فالمراتب أربعة ضرورة . وهذه القاعدة أصل يتفرع عليها الحفظ والنسيان وما يغلب على الدماغ من أخلاط ، وعلاج ذلك كما سيأتي فاعرفه . ثم هذا العلم : اما من حيث هو مقصود لذاته ، وهذا هو الفلسفة الأولى والحكمة النظرية ، وفائدتها استكمال النفس الناطقة في قواها والوقوف على حقائق الأشياء بقدر طاقة البشر ، ثم هذا العلم : اما نظري بحت ، وهو اما مجرد عن المادة مطلقاً وهو الإلهي ، أو في الذهن وهو الرياضي . ويطلق على العدد والهندسة والهيئة والموسيقى . أو محتاج إلى المادة ، وهو الطبيعي ، وأفضلها الأول تدريجاً . وليس لنا ما يتجرد عن المادة في الخارج وحده .
--> ( 1 ) الهَيُولَى : عند الحكماء ، شيء قابل للصور مطلقاً من غير تخصيص بصورة معينَّة ، ويسمى بالمادة . مؤنثة . وفي التعريفات : الَهيٌوْلَى : لفطٌ يوناني بمعنى الأصل ، وفي الاصطلاح : هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال ، محل للصورتين الجسميّة والنوعيّة . والهيُولَى عند المتكلّمين : الجوهر الفرد الذي يتقوّم به المتأِّلف فيحصل الجسم . والجمع : هيُوْلَيَات . ( مُحيط المُحيط ) . ) ( 2 ) الصورة : هي ما به يحصل الشيء بالفعل كالهيئة الحاصلة للسرير بسبب اجتماع الخشبات المركب منها . ومقابله المادة ، بمعنى ما به الشيء بالقوّة كقِطع السرير . ( مُحيط المُحيط ) . وهي نوعان : صورة جسميّة ، وصورة نوعيّة . أنظر : ( بداية الحكمة للعلامة محمد حسين الطباطبائي ، ص 72 73 ) . )