الشيخ داود الأنطاكي
255
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
جيداً كما إذا علمنا أن جذب المادة من العضو الأشرف ولم تمر على رئيس فإن ذلك متعين في الاستفراغ ، خصوصاً إذا كان خروجها من حيزها متعسراً كما ستراه في القوانين . وانما اختلف البحران بين العرق وغيره من حيث قوام المادة وحدتها وبردها وعكس ذلك . قال الفاضل أبو الفرج : فمتى كانت حال رقة القوام حادة كانت رعافاً وإلّا عرقاً ، هذا مع حرارتها وإلّا فمع الغلظ اسهال والرقة ادرار . وهذا منقول من كلام الفاضل ابقراط وأقره الأكثر . وفيه نظر ؛ لأنهم إن أرادوا بالرقة والحدة الأصل فالصفتان ملازمتان للحرارة ؛ لعدم تصور الحدة الباردة اجماعاً والرقة في الأصح . ثم المادة من حيث هي أن تصاعدت عامة إلى اقاصى الشعريات من منتهى العروق فلا تكون إلا عرقاً وإن انتهت إلى الرأس خاصة فإن رقت فلا تكون إلّا رعافاً وإلا فنفثاً أو مخاطاً . وإن غلظت في الغاية كانت خراجاً . وما تسفل إِن إندفع من محدب الكبد كان ادراراً رَقَّ أو غلظ وإلا كان إسهالًا كذلك ، هذا هو الظاهر وبه يشهد الوجدان ، وإن كان ناقصاً فشروطه الخفة على ما اخترناه والتقدم على يوم البحران الحار والعكس ، وأن يكون قريب النضج والعضو الممروض ، وحاصله قصور في شروط التام . ثم الناقص قد يقع لخفة نفس المرض تدريجاً إلى الصحة وقد يكون بالانتقال من علة إلى أخف منها ، كاليرقان بعد حمى الصفراء أو البواسير بعد الاستسقاء ، ومن عضو أشرف إلى أخس كالمنتقل من الرئة إلى الطحال وغالب الناقص إن غلظت مادته فالخراج وكثيراً ما تندفع إلى المفاصل . فقد تلخص من مجموع ما ذكر : أن العلة الفاعلية في التام قوة القوة ورقة المادة وفي الناقص بالعكس ، واما البحران الردئ فشروط التام منه انعكاس شروط التام في الجيد والناقص ، فقس ترشد .