الشيخ داود الأنطاكي

177

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

الامساك لما ذكرنا لا للانعقاد . هذا كله بناء على أن يكون المعلم قال ذلك ، وهو باطل أنشأه سوء الفهم والعجب بهم كيف نقلوا ذلك ، هذا ولو كنت أولا لحذفته . إذا عرفت ذلك فاعلم أن المعلم يقول : ليس في مني المرأة قوة عاقدة استقلالًا ولا تدفقاً وهاتان ملازمتان مني الرجل ، واما البياض واللزوجة واللذة ، فقد توجد في مائها وقد لا توجد . فإن اعتبرنا أصول هذه الصفات كلها دائماً فلا مني إلّا للرجل ؛ لأنها تلازمه دائما . وأما المرأة فالأغلب في منيها الرقة والصفرة . وقول جالينوس : إن وجود البيضتين فيها يستلزم غلظ المني وبياضه غير صحيح ؛ لصغرهما فيها ودقة العروق وضعف الهضم وخفة الحرارة الموجبة لما ذكر ، وكأنه فهم أن البياض واللزوجة يستندان إلى مجرد وجود البيضتين دون الصفات المذكورة ، وهذا سوء تأمل . ومثله استدلاله باستفراغ صاحبة الاختناق . وما علم أن الاحتباس الطويل يغلظ الرقيق ويبيضه لطول الحرارة ، فقد أوضحنا في الأسباب أن الحرارة الضعيفة تفعل في الزمن الطويل ما لا تفعله القوية في القصير ، وهو بحث لم اسبق إليه . واما احتلامهن وسيلان الماء فيه فلا يوجب مساواة الذكور ؛ لاستناده إلى ما ستقف عليه من أسباب الاحتلام ، فلو كان الاحتلام شرطاً في وجود المني ؛ للزمه القول بعدمه في ذكر لم يحتلم اصلًا ، وهو محال . وهذا أيضاً من مبتكراتنا . نعم ، ما طعنوا عليه من أن المرأة لو كان في منيها قوة عائدة ؛ للزم أن تحبل من احتلامها بلا ذكر تسعف ؛ لأنه من الجائز أن يكون فيه قوة ناقصة متوقفة على القوة التي في الذكور كالإنفحة في انعقاد اللبن ، أو لأن له الجواب بالمعارضة ، بأن يقول : ها قد اجمعتم على القوة العاقدة في الذكور فما باله لم يخلق لو وضعناه في محل كالرحم في الحرارة وغيرها . إذا عرفت هذا : فتدبير الماء على وجه الصحة ، تحسين