الشيخ داود الأنطاكي

156

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

البارد إلى العروق بالطعام ، أو على الجوع أورث النافض وحمى الروح وسقوط القوى ، والصرف على الجوع يورث وجع العصب والارتعاش والغثيان ، وعلى الامتلاء الصداع والفكر والرمد والبخار ، والأسود لضعيف المعدة رديء ، وكذا الشباب ؛ والأبيض للشيوخ ، والأصفر الأصلي للشباب ، والأحمر للصغار . فمن عرف احترز فلم يقع منه في مكروه . واعلم : أن ما ذكرناه هو الأصل ، فمن اضطر إلى مخالفته فله وجوه أصحها الاحتراز قبل الاخذ ، ويليها تعديل المشروب ، ودونها تدارك الضرر واصلاحه ، وسنذكر المهم منها . تنبيهات الأول : أوقات الشراب : وهي اما من حيث الزمان ، فأجودها يوم الغيم والمطر وسكون الهواء وقلة الحر والبرد . وبالجملة فالشتاء والربيع للشرب خير من الصيف ، والخريف والصيف أردأ الكل . ومن حيث الشخص ، فيجب أن يكون على راحة وتوسط من الامتلاء والجوع ، خالي البال من سائر المشغلات ؛ لئلا يتفكر في وسط السكر ما سيشوشه قبله ، فإن ذلك مشكل جداً . ولا يجوز الشرب على فاكهة ولا غذاء رديء كالألبان والأسماك ، ولا حركة وحمام ولا جماع ، فإن ذلك مفسد جداً . الثاني : في صفة المسجد وتهيئته وقد تقرر أن البدن مدينة سلطانها النفس ووزيرها العقل ومركزها القلب ومحيطها الدماغ وجندها القوى وأبوابها الحواس ، وأن الحركة والنشاط والفرح بتحرك الغريزية ، وأن الشراب له في ذلك الفعل الذي لا يشاركه فيه بسيط وإن قاربته المركبات العظيمة كمعجون العنبر واللؤلؤ . فإذا عرفت ذلك فاعلم : أن السلطان مفتقر ضرورة إلى ما يسع جنده وينفذ امره ، فعلى من أراد الشراب نهاراً أن يكون في مجلس مرتفع مكشوف يسرح فيه النظر إلى بعد ، والجنان والخضرة والمياه والوجوه الحسان والأصوات الحسنة بالاغاني المناسبة