الشيخ داود الأنطاكي
157
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
كالتغزل بذكر المحاسن أول الشرب ، والكرم أوسطه والشجاعة والهمة والغيرة آخره ، على الآلات بالايقاعات التامة وعلى المجامر « 1 » المشتملة على العود والعنبر وفرش الزهور ورش المياه الممسكة وعلى الطعوم المستلذة وعلى الملبوسات اللطيفة . وإن كان ليلًا أضاف إلى ذلك الفرش التي تميل إلى الحمرة والصفرة والألوان المفرحة وجعل الشموع غليظة طويلة ليعظم نورها إذا رفعت الكاسات تجاهها ، وكانت من البلور الصافي وطاف بها صبيح الوجه صافي اللون معتدل القامة حسن الملبوس ، فإذا انتهى ذلك فليبدأ بأخذ الكاسات الصغار ويتلهى بعد كل واحد بما ذكرنا مدة إلى أن ينهضم الأول ، وما دام التفريح يزيد والبدن ينمو والفكر يصفو ، فإن الشراب جيد . فإذا أحس بالتكاسل والثقل وجب الترك ، فمن سلك هذا المسلك حرك الشراب قوته فتراقت إلى النفس ، فانبعثت في مطلوباتها مستخدمة للعقل استحثاث الحواس على تحصيل مدركاتها فتتوجه ، فكل من وجدت مطلوبها رجعت على النفس بالمراد ، فيكمل لها المطلوب ، ومن وجدته مفقوداً رجعت بالعكس ، فكان الغم يقدر المفقود . ومن ثم تجب المبالغة في تنظيف مجالس الشراب عن كل مكروه للنفس والعقل وأن تحف بكل محبوب . وهذا القانون يفيد المنافع البدنية ، وهي تنقية الاخلاط بالتنفيذ للدم والتقطيع للبلغم والاسهال للسوداء والادرار للصفراء والهضم والتصفية والمنافع النفسية ، كالخفة والنشاط والفرح والسرور والشجاعة والكرم واللطف والانس . الثالث : في موجباته : اعلم أن الشراب والجنون والنوم والطفولية تردّ النفوس إلى جبلاتها ، فمن كان متصنعاً في شيء فإنه يفارقه في هذه الحالات ، اللهم إلّا أقوام تمرنوا على شيء حتى صار ملكه لهم ، فإذا تم الاسكار طاش الأحمق ورزن الحليم وتكلم المهذار وسكت العاقل وزاد كرم الكريم وشح البخيل ،
--> ( 1 ) المجْمَر : ما يُوضَع فيه الجَمْر مع البَخُور . والجمع : مَجَامر . ( المعجم الوسيط ) . )