الشيخ داود الأنطاكي
130
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
فلذلك فهم ما فهم . وقال المسيحي وجماعة : بأن القوى وإن كانت في كل أربعة إلّا أنها في الكبد والمعدة والرحم متضاعفة . وهذا هذيان ؛ لاستلزامه ترجيحاً بلا موجب ، وجواز التسلسل إلى غير نهاية ، غاية ما في هذا الباب كونها في هذه الأعضاء أقوى منها في نحو العروق الشعرية وهذا ظاهر . الرابع : الكيفيات المذكورة للخدمة هنا هل هي غير ما سبق من قوى العناصر خاصة ، أو الغريزية في الأبدان غيرها ، أو هي غير ممزوجة بالقوى السماوية ، أو الحرارة خاصة سماوية واستقصية ، والباقي عنصرية محضة . أقوال : الأول لجالينوس وأصحابه ، وهو فاسد لما حكم هو بأن قوى المزاج ثواني فما ظنك بما بعدها . والثاني لفرفوريوس وسقراط وأصحابهم قالوا : بأن غريزية البدن غير العناصر وقد تولدت من البخارات الغذائية والهوائية . وهو أضعف من الأول ؛ لأنا نقول ما الفاعل في أول متناول ؟ فإن قالوا العناصر وجب طرد الحكم ، أو غيرها فما ذلك الغير ولأي شيء لم يدم ؛ ولأن ما ينشأ عن البخارات المذكورة يكون غريباً لا يصلح للصحة . والثالث : قول عظيم الفلاسفة المعلم الأول ومن تابعه من المحققين كالشيخ ؛ لأن تغير العناصر في الأطوار معلوم واستمداد الكون من القوى العلوية قطعي الثبوت ، ولانا نجد زيادة الهضم أيام البرد ظاهرة ؛ لدخول الحرارة السماوية في الاغوار ، ولأن الزيادة القمرية تظهر في الدماء والمياه والثمار وبالعكس . فثبت تركيب القوى البدنية مما ذكر . وأما القول الرابع فمنسوب للحراني وأكثر المتأخرين ، وهو بالهذيان أشبه ولولا اعتبار قوم عظماء له واعتدادهم بنقله لما صح أن يذكر ؛ لأنّهُ تحكم . وعندي أنه نشأ لهم من سوء فهم كلام المعلم حيث قال : إن الحرارة الغريزية الخاصة بالأبدان التي لها صلاحية بتعلق النفس المجردة غير النارية الاستقصية ؛ لأنها تفارق البدن مع مفارقة النفس والعنصرية تدوم معه