الشيخ داود الأنطاكي
104
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
تنبيه وتحقيق اختلفوا في ايصال الرائحة هل هي بتكيُف الهواء أو بتحلل اجزاء المشموم فيه ؟ فقال المعلم واثنادفلس والشيخ والصابي بالأول ؛ لأن المشموم ذو رائحة وكل ما كان كذلك وهو حار لطيف لب الهواء ؛ ولأن المشموم لو تحللت منه أجزاء لنقص وفنى . وقال جالينوس والمعلم الثاني وأبو ريحان « 1 » بالثاني ؛ لأن الهواء لا يتكيف بمجرد الأشياء إذا لاقت ولكن بالتحليل ، والتزموا النقص وادعوا أن وقوعه محسوس . وعندي : أن الحق التفصيل ، وهو أن المشموم إذا كان متخلخلًا كالكافور « 2 » والمسك وكان الهواء حاراً حلل اجزاءه ؛ لوقوع النقص وقوة الرائحة في الجو . وإن كان كثيفا فإن كان لدنا كالعنبر كان الوصول بمجرد التكييف . وإن كان صلباً لم يكيف ولم يتحلل . ومن ثمّ احتجنا في مثل العود إلى تحليله بالحرق حتى يكيف الهواء ، فتأمله فإنه موضع دقة . فوائد الأولى : أجود آلات الشم ما طال ودق ؛ ولذلك كانت السلوقية من الكلاب « 3 » أعظم من سائر الحيوانات ادراكاً للمشموم . الثانية : الحيوانات تختلف في هذه الآلة كثيراً ، فذوات الأربع غير الكلاب لم يخلق لها وصلة بالغضاريف بل كلها لحم . والطيور ليس لها أنف وانما في جنبيّ المنقار خرق للهواء . وأما الظبية السندية فتشم بقرونها . والمحرزات لا شام لها إلّا النمل خاصة فان قوتها عظيمة ؛ لأنها فقدت السمع فعوضت عنه الشم . الثالثة : انما تعددت مواضع القوة ؛ لأجل الآفة فإذا خفيت واحدة نابت الأخرى ، وكذا باقي الحواس . القول في آلة السمع وأجزاؤها البسيطة غضروف وعصب ولحم وعظم ، وقد مرت . وأما صفة تركيبها فقد استدار الغضروف كالسكرجة « 4 » لما عرفت من تدريج الهواء ؛ ولأنه كالجفن للعين ، وهو يستدير بتعويج حتى يماس الفرجة كحلقة ،
--> ( 1 ) هو الأستاذ أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني ، منسوب إلى بيرون ، وهي مدينة في السند ، وكان معاصراً للشيخ الرئيس ، وبينهما محادثات ومراسلات . ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 421 ) . ) ( 2 ) الكَافُور : شجر من الفصيلة الغارية يتخذ منه مادة شفافة بلَّورية الشكل يميل لونها إلى البياض ، رائحتها عطرية وطعمها مرّ ، وهو أصناف كثيرة . ( المعجم الوسيط ) . ولاحظ : ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 597 ) . ) ( 3 ) الكلاب السلوقية : المنسوب إلى ( ( سَلُوق ) ) . قريةٍ تنسب إليها الكلاب الجياد والدروع الجيدة . ( المعجم الوسيط ) . ) ( 4 ) السُّكُرُّجَة : إناءٌ صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدْم . ( المعجم الوسيط ) . )