علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )

70

كتاب المختارات في الطب

الأعضاء بالأغشية واجرى عليها اللحم والشحم تحسيناً وتحصيناً ووقاية من الحر والبرد المفسدين لجواهر الأعضاء الباطنة ، ثم أودعت هذه الجملة جسماً صفيقاً جارياً على جميعها مخلوقاً من جواهرها طبعه كالمعتدل المركب من جملتها واجرى معه ما خفي من مجاري الدم والروح لتغذو به وشظايا من أجسام الأعصاب الحساسة ليكون بذلك حياً حساساً وهو الجلد . ولما كانت هذه الأعضاء والآلات المخلوقة ليست أيضاً صلبة كالحجارة أو الذهب والياقوت بل رطبة لدنة معرضة للتحلل الواقع في الأجسام الرطبة احتاجت أيضاً إلى بدل يقوم مقام ما يتحلل منها وكان لطيف بخار الدم المتولد من الكبد الصائر إلى القلب مع الهواء المستنشق يتولد منه روح وكثيف الدم الباقي ينفذ في العروق إلى جميع الأعضاء فيتولد منه عضو وصار القلب يمد الكبد بالحرارة الغريزية والقوة الطبيعية ويمده الكبد بلطيف الدم ويمد أيضاً الدماغ بالحرارة الغريزية والقوة الطبيعية ويمده الدماغ بالقوة المحركة الباسطة للصدر والرية والقابضة لهما حتى ينجذب الهواء مستنشقاً فيتولد منه روح حيواني . وتلطف الخالق جلت قدرته في هذه الروح الصائرة من القلب إلى الدماغ فأكسبها من جوهر الدماغ وطبخه وهضمه لطافة أقبلت بسببها النفس الشريفة والجوهرة الغريزة وأفاضت عليها بقوى نفسانية مدبرة متخيلة متفكرة ومتذكرة فصارت هذه القوى الآلات أولًا للنفس تدبر هذه الجملة فتربب هذا الهيكل واخذها بافاضتها على صفحة من صفحات أعالي هذا الهيكل بقوى الحواس وهو الوجه فأعدت فيه السمع والبصر والشم والذوق وجعلت هذه القوى متجاورة متقاربة ترفع هذه الطوالع إلى القوى المتخيلة والمتفكرة والمتذكرة اخبار ما يحتاج اليه من تدبير بقاء هذا الهيكل بحسب ما قدر له من حرارته ورطوبته الاصليتين . ولما كان هذا الهيكل بمجموع ما فيه من الأعضاء والقوى ليس يبقى