علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )

4

كتاب المختارات في الطب

نصيبهم الذي كانوا لأجله يخصّون بالتعليم أولادهم ويأخذون عليهم العهود والمواثيق في صيانتها وحفظها عن غير أهلها ولزوم قواعد الحكمة . فمن ذلك أن يكون تعلمه إياها طالباً بها وجه الله تعالى وحسن ثوابه ، وأن لا يطلب عليها جزاءً « 1 » من المخلوقين ، وكانت هذه الصناعة من آداب ملوكهم وفضائل أغنيائهم فكانوا غنيين عما يضطرون إليه في حياتهم من ذخائرهم وأموالهم ، فلما أفضت هذه الصناعة إلى الضعفاء وأرباب الحاجات جعلوا رزقهم في صناعتهم ؛ لئلا تتوزع خواطرهم في أبواب المكاسب فتذهب الصناعة وتضعف قواعدها ، إلّا أنهم أكدوا الوصاة بأن لا يلتمسوا من المرضى إلّا أن يعطوا من غير طلب وأن يستعينوا بما يصل من أغنيائهم على مداواة الضعفاء الذين تتعذر عليهم الأدوية ، وأن يلقوا المرضى بالهشاشة والبشاشة والايناس ، وأن يتوفر الطبيب على من يستطيع أن يفي بواجب تدبيره منهم وأن يمشي إلى ضعفائهم ولا يتكبر على فقرائهم ولا يستنكف عن مداواة من أنهكته الاعلال وكثرت به الجراحات والمواد استقذاراً له وأنفة منه ، وأن لا يعزب في ذكر الأدوية عن المشهور وما يقوم مقامه اظهاراً لفضله ، وستر ماله في كشف ثوابه ، وأن يكون ناصحاً فيما يتوخاه من عمل هذه الصناعة متقرباً بنصحه إلى الله تعالى لا إلى الخلق ؛ فما أحسن ما قيل في الصحيفة « 2 » الصغرى « يا أيها الإنسان اكتم صنيعك عن عيون البشر ، فان له عيوناً من عمرة ملكوت السماء تبصره وتجازي عليه » ، وأن لا يصفوا الأدوية لاسقاط الأجنة ولا ما يمنع الحبل لقطع النسل إلّا أن يدعو إلى ذلك امر عظيم خشيَّ منه هلاك المرأة في الحمل والوضع ؛ وأن لا يعطوا السموم لغرض أو سخط ولا يتخذوها ولا يعلموها ولا يتعلموها إلّا في معرض مداواة من لعله يشفى منه ، وكذلك يأخذون عليهم العهود في حفظ الأسرار فإنهم يطلعون على ما لا يطلع عليه الآباء والأولاد من أحوال الناس ، وأن يلزموا العفة وغض الطرف ، وإذ ادخلوا

--> ( 1 ) « د » : أجراً . ( 2 ) « د » : النصيحة .