علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )

3

كتاب المختارات في الطب

أما بعد ، فإن شرف العلوم والصنائع بحسب شرف موضوعها وشرف غايتها ومطاويها ، ولما كانت الصناعة الطبية ناظرة في بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض ؛ لتحفظ الصحة من الزوال وتردها بعد الاستبدال بالأحوال المرضية ، صارت من أنفس الصنائع وأشرف العلوم ؛ وذلك لأن موضوعها وهو بدن الإنسان أشرف عالم الأكوان ، وغايتها وهو ( « 1 » ) حصول الصحة أفضل أحوال الأبدان ؛ فلذلك كان القدماء من الحكماء يحتاطون في حفظها وصيانتها عن غير أهلها ، وكان من عادة الفرس واليونان أن يوقفوا الصنائع والعلوم على الأبناء ، فلا يتعدى أحد صناعة أبيه ، وكان هذا السبب أوجب نقصان الصنائع وذهاب العلوم إذْ كان العالم الفاضل الذكي ربما ولد الأبله البلد وبالعكس ، فيُمنع المستعد ويُبذل لغير المستعد فيضيع فيه التعب ، فلما كان في زمان أفلاطون ( « 2 » ) ، انكر هذه السُنة ومنع منها وشبه هذا الفعل بالبزر الواحد المتكرر على أرض واحدة فيفسد ويستحيل . وأما أرسطو طاليس ( « 3 » ) ، فإنه كتب إلى الإسكندر ينكر هذه السُنة ( « 4 » ) ، ويقول : إن العلوم لا تُوقَف على الوراث فان الوارث لم يتجشم الكسب فيجهل أسبابه فهو يجهل أيضاً أسباب الحفظ ، بل الواجب ترك العلوم والصنائع وقفاً على المستعدين لها المطبوعين فيها ، فمن مال طبعه إلى صنعة أو علم مُكّن من الاشتغال به . وقد كان من القدماء من يصور أرباب الصنائع بصورهم وهيآتهم على حيطان البيوت ويدخل الصبيان إليها ويعرضها على طبائعهم فمن استحسن صورة وهيئة صانع أو عالم اشتغل بصناعته أو عمله . فأما الصناعة الطبية فلشرفها وعظم خطرها كان الحكماء يتخيرون لها التلاميذ بطريق الفراسة ، فيختارون من كان حسن الصورة ، متناسب الأعضاء معتدل المزاج ، طاهر الأخلاق ، منتظم الأحوال ، صادق ( « 5 » ) الأحلام يتخذونهم كالأولاد ، والتلاميذ بعضهم لبعض كالإخوة ؛ لئلا يفوت المعلمين

--> ( 1 ) كذا ، والأنسب : « وهي » . ( 2 ) أفلاطون : ويقال فلاطن وأفلاطن . فيلسوف وطبيب من أهل مدينة أثينا ، عالم بالهندسة وطبائع الاعداد ، وبلغ من العمر احدى وثمانين سنة ، وصنف كتباً كثيرة يبلغ عددها ستة وخمسون كتاباً . راجع ( عيون الأبناء في طبقات الأطباء ، ص 68 ) ( 3 ) أرسطو طاليس : فيلسوف الروم وعالمها وخطيبها وطبيبها ، وغلب عليه علم الفلسفة ، وله كتب كثيرة في الفلسفة والمنطق حيث جعل المنطق ثمانية أجزاء ، وله كتب في الطب ، وكان معلم الإسكندر المقدوني . ( طبقات الأطباء والحكماء ) ( 4 ) نسخة « د » : الفعلة . ( 5 ) « د » : صدق .