علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )
144
كتاب المختارات في الطب
ايجاد المادة حتى يتم خلقه وتكمل صورته ، وهو أيضاً حينئذ يكون في غاية الرطوبة واللدونة كما يشاهده العيان ، الا أن الأرضية والمائية أغلب على جوهر أعضائه ، والنارية والهوائية أغلب على جوهر روحه ، وأن لكل واحد منهما مددا ، فمدد الأعضاء من الأطعمة والأشربة ، ومدد الروح من الهواء المستنشق مع لطيف بخار الامشاج ، وقد جعل لكل واحد منهما آلات يتم فيها ويكمل نوعه حتى يصح أن يصير اجزاء للروح والعضو بفعل حرارته الغريزية ، ولأنا في أول كوننا في غاية الرطوبة ولا يتم لنا كمال الصورة الا بنوع من جفافنا وتصلب اعضاءنا آخذاً على الاتصال بالتدريج لازماً لنا دائماً حتى تبلغ أعضاؤنا الحد الواجب في الصلابة ، وكذلك أرواحنا يزداد مزاجها يبساً ويصير إلى حد من الجفاف وإن كانت حارة رطبة بالطبع الا أن رطوبتها تقل لأنها في سن الاستكمال تتولد من بخار أيبس كما في سن الطفولية ، الا أن هذا اليبس والصلابة لا تبلغ بابداننا إلى ما عليه الحجارة كالذهب والفضة والياقوت وغيرها من الأحجار التي لا تتحلل أو يتحلل منها اليسير جداً في الزمان الطويل ، بل أبداننا دائمة التحلل ونحن معرضون بذلك لنوعين من النقصان والجفاف . أحدهما : بسبب الحرارة الغريزية واستنشاقها للرطوبة الغريزية التي هي مادتها . والثاني : الحرارة الغريبة المتولدة في أبداننا عن الأطعمة والأشربة المعفنة للرطوبة وأخذها لها من جهة الصلوح لامداد العضو والروح إلى جهة الفساد ، والعفن المؤدي إلى الجفاف وإلى غير ذلك من الأسباب الخارجة كالهواء الحار المحلل أو المعفن ، أو البرد المكثف أو المجمد ، وانما يبقى الإنسان مدة بقائه ، لا أن رطوبته الغريزية قاومت هذا التحلل والنقصان فإنها أضعف من ذلك . وانما أقامها البدل من الرطوبات الحاصلة من الأغذية والأشربة القائمة مقام ما يتحلل ، ولأن الحرارة الغريزية انما تقيم هذا البدل إلى حد وذلك لأن الحرارة في سن النمو تقيم هذا البدل مع زيادة تنمى بها الأعضاء في أقطارها