ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

90

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وأقيم المصدر مقامه ، وفي ذلك اختصار مع إعطاء معنى التوكيد المصدري . وأما حذف جواب الفعل فإنه لا يكون في الأمر المحتوم ، كقوله تعالى : فذرهم يخوضوا ويلعبوا * فجزم يخوضوا ويلعبوا لأنهما جواب أمر فذرهم وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز ؛ لأنا إذا قلنا ذرهم أي اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب ، وكذلك ما يجري مجراه ، وإنما يكون الجواب بالفاء في ماض ، كقولنا : قلت له اذهب فذهب ، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف ، كقوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا . فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية ؛ فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا ، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها ، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم . ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى : قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون . قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون . فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف ، تقديره : فأرسله معهم ، ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله : فلما ذهبوا به كما حذف أيضا في قوله عزّ وجلّ : وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون . يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان الآية ، فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف ، وتقديره : فأرسلوه إلى يوسف ، فأتاه ، فقال له : يوسف أيها الصديق ؛ وكذلك قوله تعالى : وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم . قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه الآية ؛ ففي هذا الكلام حذف واختصار استغنى عنه بدلالة الحال عليه ، وتقديره : فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف ، فدعا الملك بالنسوة ، وقال لهنّ : ما خطبكنّ .