ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
91
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وهكذا ورد قوله تعالى : ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين وقد حذف جواب الأمر هاهنا ، وتقديره : فأتوه به ، فلما كلمه ، وفي سورة يوسف عليه السلام محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها . فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة هاهنا التي كأنها لم تحذف من هذا الكلام ؛ لظهور معناها وبيانه ، ودلالة الحال عليه ، وعلى نحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام . الضرب الثالث : حذف المفعول به ، وذلك مما نحن بصدده أخص ؛ فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب ، كقولنا : فلان يحلّ ويعقد ، ويبرم وينقض ويضر وينفع ، والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق . وعلى هذا جاء قوله تعالى : وأنه هو أضحك وأبكى . وأنه هو أمات وأحيا . ومن بديع ذلك قوله عزّ وجلّ : ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير . فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن ؛ إذ المعنى وجد أمة من الناس يسقون مواشيهم ، وامرأتين تذودان مواشيهما ، وقالتا لا نسقي مواشينا ، فسقى لهما مواشيهما ؛ لأن الغرض « 1 » أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن الامرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى عليه السلام بعد ذلك سقي ؛ فأما كون المسقي غنما أو إبلا أو غير ذلك فخارج عن الغرض . وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث من أبيات الحماسة « 2 » :
--> ( 1 ) هذه علة الحذف . ( 2 ) من كلمة له اختارها أبو تمام في باب الحماسة ، وأولها قوله : خيال لأمّ السّلسبيل ودونها * مسيرة شهر للبريد المذبذب انظر شرح التبريزي ( 1 - 351 ) .