ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
89
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ولا إلّا بأن يصغي وأحكي * فليتك لا يتيّمه هواكا فقوله « ولا مناكا » فيه محذوف ، تقديره : ولا صاحبت مناكا ، وكذلك قوله « ولا إلا بأن يصغي وأحكي » فإن فيه محذوفا ، تقديره : ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي . أما القسم الآخر ؛ فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل ؛ لأنه لا يكون هناك منصوب يدل عليه ، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام . فمما جاء منه قوله تعالى وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة فقوله لقد جئتمونا يحتاج إلى إضمار فعل : أي فقيل لهم لقد جئتمونا ، أو فقلنا لهم . وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع ؛ كقوله تعالى : ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فقوله : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر . وكذلك ورد قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما فقوله : وإن جاهداك لا بد له من إضمار القول : أي وقلنا إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما . ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما ، كقوله تعالى : فأجمعوا أمركم وشركاءكم وهو لأمركم وحده ، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ؛ لأن معنى أجمعوا من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه ، وقد قرأ أبي رضي اللّه عنه فاجمعوا أمركم وشركاءكم وهذا دليل على ما أشرت اليه ، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . ومن حذف الفعل باب يسمى باب إقامة المصدر مقام الفعل ؛ وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد ، كقوله تعالى : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب قوله : فضرب الرقاب أصله فاضربوا الرقاب ضربا ؛ فحذف الفعل